سماحة الشيخ حسان منعم ـ مونتريال
في أزمنة الأزمات، لا تكون المعركة عسكرية أو سياسية فقط، بل تكون أيضًا معركة وعيٍ وكلمةٍ وموقف. فكم من خبرٍ أضعف النفوس قبل أن يغيّر الوقائع، وكم من كلمةٍ أشعلت خوفًا أو فتنة، وكم من خطابٍ ثبّت القلوب وربطها بالله والحق. ومن هنا، لا يواجه المؤمن الأحداث بوصفه متلقيًا محايدًا، بل باعتباره مسؤولًا عمّا يسمع، وعمّا يقول، وعمّا ينقل، وعمّا يصنعه في مجتمعه من طمأنينة أو اضطراب.
القرآن الكريم لا يربّي المؤمن على التمييز بين الحق والباطل في الفكرة فقط، بل يربّيه كذلك على التمييز بين الأصوات التي تهدم، والأصوات التي تثبّت؛ بين من ينشر الخوف والبلبلة، وبين من يصنع الوعي والسكينة. ومن هنا يبرز سؤال بالغ الأهمية في واقعنا المعاصر: هل نكون من المرجفين الذين يزعزعون الصفوف، أم من المثبِّتين الذين يحفظون المجتمع من التصدع والانكسار؟
أولًا: المرجفون وخطورة عملهم على الفرد والمجتمع والأمة
المرجفون هم الذين يحولون الأخبار، ولا سيما في أوقات الأمن والخوف، إلى أدواتٍ لإثارة القلق والبلبلة، وإضعاف الجبهة الداخلية للمجتمع المؤمن. ولذلك لم يتعامل القرآن مع الإرجاف على أنه مجرد خلل أخلاقي عابر، بل وضعه في سياقٍ خطير قرنه بالمنافقين وأصحاب القلوب المريضة، لما يتركه من أثرٍ مفسد في الصف والإيمان والثقة.
قال تعالى:
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾.
فالإرجاف ليس مجرد نقلٍ للكلام، بل هو صناعة مناخٍ من الاضطراب، وكسرٌ للمعنويات، وتوهينٌ للثبات من الداخل. ولهذا جاء التنبيه القرآني الحاسم إلى خطورة إذاعة الأخبار من دون تثبت ولا رجوع إلى أهل الاختصاص والبصيرة، فقال تعالى:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وتؤكد روايات أهل البيت عليهم السلام هذا المعنى بوضوح شديد. فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إنَّ اللهَ عيَّرَ أقواماً بالإذاعةِ، فقال: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾، فإيّاكم والإذاعة».
وجاء عنه عليه السلام أيضًا:
«مَن أذاعَ علينا شيئاً من أمرِنا، فهو كمن قتلنا عمداً، ولم يقتلنا خطأ».
إن خطورة الإرجاف لا تقف عند حدود الكذب الصريح، بل قد تبدأ من نشر خبرٍ صحيح في غير موضعه، أو تداوله بلا وعي، أو تضخيمه على نحوٍ يخدم الفتنة واعداء الدين والمؤمنين ويضر بمصالح المؤمنين. ولهذا، فإن المرجف يؤدي وظيفة أخطر من مجرد الكلام؛ إنه يمارس حربًا نفسية تستهدف الثقة بالله، والثقة بالقيادة الرشيدة، وبجهود المؤمنين والثقة بحسن العاقبة.
أما على مستوى الفرد، فإن أثر المرجفين يتمثل في نشر القلق، وسوء الظن، والانفعال، والتسرع في بناء المواقف. ولذلك وجّه القرآن المؤمنين إلى قاعدة التثبّت قبل التأثر أو التصرف، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
وأما على مستوى المجتمع والأمة، فإن الإرجاف يحول الأمة إلى ساحة شائعات، ويجعلها تعيش بمنطق الخوف لا بمنطق الحقيقة، وبردّ الفعل لا بالبصيرة. وبالانقسام لا بالوحدة. ومن هنا كان العلاج القرآني في إعادة الأمور إلى أهلها، كما في قوله تعالى:
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
وقد لخّص أمير المؤمنين عليه السلام بعض معالم هذا الصنف بقوله:
«شِرارُكمُ المَشّاؤونَ بالنَّميمةِ، المُفَرِّقونَ بينَ الأحبّةِ، المُبتغونَ للبُرَآءِ المَعائِبَ».
فالمرجف يفرّق، ويشوّه، ويبحث عن العيوب، ويجعل من الكلمة وسيلة هدم لا إصلاح. وهو لا يحتاج إلى منبر كبير؛ فقد يبدأ من مجلس، أو تعليق، أو هاتف، أو رسالة يتناقلها الناس بلا تثبت.
ولهذا، فإن التعامل مع المرجفين يبدأ بعدم التسرع، وعدم إذاعة كل ما يُسمع، وردّ الأمور إلى أهل العلم والبصيرة، وحفظ اللسان من أن يكون شريكًا في نشر الفتنة. وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام:
«حدّثوا الناسَ بما يعرفون، وأمسكوا عمّا يُنكرون، أتحبّون أن يُكذَّبَ اللهُ ورسولُه؟».
كما أن من الواجب نصرة المؤمن إذا استُهدف بالإرجاف والطعن والاغتياب، فقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام:
«مَنِ اغتيبَ عندَه أخوهُ المؤمنُ فنصرهُ وأعانَه، نصرهُ اللهُ في الدنيا والآخرة، ومَنِ اغتيبَ عندَه أخوهُ المؤمنُ فلم ينصرهُ ولم يدفعْ عنه وهو يقدرُ على نُصرتِه وعَونِه، خفضَه اللهُ في الدنيا والآخرة».
ثانيًا: المثبِّتون وأهمية دورهم على الفرد والمجتمع والأمة
في مقابل هذه الصورة المقلقة، يقدّم القرآن نموذجًا مضادًا هو نموذج المثبِّتين؛ وهم الذين يربطون الناس بالحق، ويصنعون السكينة، ويجمعون القلوب، ويحفظون التوازن في أوقات الشدة والحرب على المؤمنين. فالمثبت ليس مجرد إنسان لا يشارك في الإفساد، بل هو صاحب دور إيجابي في ترسيخ الوعي والإيمان والثبات.
قال تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚوَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.
وقال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.
وقال تعالى:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
هذه الآيات ترسم ملامح المثبتين: ثبات على الحق، وصدق في العهد، وإصلاح بين المؤمنين وتأييد ونصرة لهم، وعدم تبديل الموقف تحت ضغط الفتن. ومن هنا كان المثبتون عنصر أمانٍ للفرد، وسندًا للمجتمع، وحصنًا للأمة.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
«المؤمنُ أخو المؤمنِ، عينُه ودليلُه، لا يَخونُه، ولا يَظلِمُه، ولا يَغشُّه، ولا يَعِدُه عِدَةً فيُخلفَه».
كما جاء عن النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله:
«المؤمنُ مرآةُ أخيه، يميطُ عنه الأذى».
فالمثبت هو الذي يكون عينًا لأخيه لا عليه، ودليلًا له لا سببًا في ضياعه، وعونًا على الثبات لا عنصرًا في كسره. وهو الذي يستر ولا يفضح، ويجمع ولا يفرّق، ويقوي ولا يخذل، ويخفف الألم بدل أن يضاعفه.
وتتجلى وظيفة المثبتين في أمورٍ أساسية:
أولها التثبت من الأخبار وعدم الانجرار وراء كل ما يُتداول.
وثانيها ردّ الأمور إلى أهلها وعدم فتح الساحة لكل تحليلٍ مضطرب أو غير مسؤول، امتثالًا لقوله تعالى:
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾.
وثالثها الإصلاح بين المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا﴾.
ورابعها نصرة المؤمن والدفاع عنه إذا استُهدف بالتشويه أو الظلم.
وخامسها بناء الصبر والمرابطة والثبات، كما في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وهذا يكشف أن طريق الحق لا ينفصل عن الابتلاء، وأن مهمة المثبتين أن يصبروا ويصابروا ويحصّنوا المجتمع من الانهيار عند الشدائد، وأن يربطوا الناس بسنة الصبر والثبات، لا بمنطق الهلع والتشكيك. خاصة ان سنّة الله تعالى في خلقه قائمة على أنواع البلاء كما الحديث: «أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الأوصياءُ، ثم الأماثلُ فالأماثلُ».
ثالثًا: ما هي وظيفتنا بين المرجفين والمثبِّتين في التعامل مع الأحداث اليوم من حولنا؟
في عالمٍ تتسارع فيه الأخبار وتتكاثر فيه المنصات، تصبح مسؤولية المؤمن أعظم من أي وقت مضى. فالسؤال لم يعد فقط: ماذا يحدث حولنا؟ بل أيضًا: كيف نتعامل معه؟ هل نكون ناقلين للاضطراب، أم صانعي بصيرة؟ هل نشارك في تضخيم الفتنة، أم نكون جبهة تثبيت في بيوتنا ومجالسنا ووسائل تواصلنا؟ هل نساهم في هزيمة المؤمنين وتشتيت وحدتهم ام نكون عوناً لنصرتهم ووحدتهم ؟
وظيفتنا اليوم أن نزن الكلمة قبل إطلاقها، والخبر قبل نقله، والموقف قبل إعلانه. فلا نكون أبواقًا للشائعات، ولا أدواتٍ لتمرير الخوف، ولا شركاء في إضعاف النفوس ووحدة المؤمنين . بل الواجب أن نكون أهل تثبّت، وردٍّ للأمور إلى أهلها، وحفظٍ للسان، ونصرةٍ للمؤمن، وسعيٍ في الإصلاح، وربطٍ للناس بالله ووعده وسننه.
إن المؤمن الواعي لا يزيد الخلاف اشتعالًا إذا وقع، ولا يتعامل مع البلاء بمنطق الانفعال والهوى، بل بعين الإيمان والعقل والبصيرة. وهو لا يقف موقف المتفرج حين يُستهدف أهل الحق من المستكبرين والظالمين بالإرجاف والتشويه، بل ينصر، ويدافع، ويثبّت، ويمنع أن تتحول الكلمة إلى خنجر في جسد الأمة.
فالمرجف يبعثر الطمأنينة، ويزرع الخوف والشك والاضطراب، أما المثبت فيشد القلوب إلى الله، ويربطها بالحق، ويملؤها وعيًا وعزمًا وثقةً بحسن العاقبة. وإذا تأخر النصر أو اشتد البلاء، فلا يجوز أن نزن الأمور بميزان الألم العاجل وحده، لأن لله سبحانه سننًا لا تتبدل، ووعده لا يتخلف. قال تعالى:﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ سورة القصص، الآية 5
خاتمة
المجتمعات لا تسقط فقط بفعل أعدائها، بل قد تنال منها الكلمة غير المسؤولة من الداخل، والخبر غير المتثبت منه، والموقف الذي يخذل بدل أن يثبت. ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية في زمن الفتن والحروب ليست فقط مع الخارج، بل أيضًا مع ما نصنعه نحن داخل بيئتنا من وعي أو اضطراب، ومن بناء أو هدم. ومن ووحدة وانقسام.
إن مسؤوليتنا اليوم أن لا نكون عونًا للمرجفين بقولٍ أو إعادة نشرٍ أو تعليق، وأن نختار بوعي أن نكون من أهل التثبيت: نصنع السكينة، ونحفظ الأخوة، وننصر المؤمن، ونربط الناس بالله، ونبني خطابًا يواجه كل المحن بالبصيرة لا بالفوضى، وبالثبات لا بالانكسار.
نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من أهل القول الثابت، ومن دعاة الحق وأرباب البصيرة، وأن يعيذنا من الإرجاف وأهله، وأن يرزقنا حكمة الكلمة، وسداد الموقف، وثبات القلب، وصدق النصرة لله ولرسوله ولأوليائه، وأن يحشرنا مع سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين.
206 مشاهدة
24 أبريل, 2026
194 مشاهدة
24 أبريل, 2026
113 مشاهدة
23 أبريل, 2026