د. علي ضاهر
رنّ الهاتف. الاسم على الشاشة ليس لشخص عادي. انه لمن عايش الجالية العربية في كيبيك منذ نعومة أظافرها، حين كان العربي فيها يُسجل ظهوره مثل مشاهدة طائر مهاجر غريب. ثم بقي حيًّا بما يكفي ليرى الجالية تتكاثر، دون أن يتكاثر معها وزنها السياسي. هذا المخضرم لا يحتاج إلى غوغل. يكفيه النظر إلى كفّه ليعرف عدد العرب، ويعرف أيضًا قوة تأثيرهم، وكيف تحولوا من أقلية لطيفة "لا تهش ولا تنش" إلى جالية تُربك الإحصاءات، لكنها لا تربك أحدا في صناديق الاقتراع.
بدأ حديثه بتنهيدة طويلة، تحسبها مقدمة رسمية لـ"إطار" كارثي، ككل الإطارات، قال: العرب كُثُر، لكن تأثيرهم لا يزال لا يغني ولا يسمن عن جوع، مضيفََا: المشكلة أننا نعتقد أن العدد وحده يصنع القوة. أن يكون عندك مئتا ألف شخص من خلفية عربية لا يعني أنك تملك مئتي ألف صوت سياسي. السياسي لا ينظر فقط إلى العدد، بل إلى من يصوّت، ومن ينظم، ومن يحضر، ومن يحرك الناس. نحن كُثُر، لكننا لم نتحول إلى قوة تعرف الأحزاب أنها لا تستطيع تجاهلها.
ثم انتقل إلى المشكلة الثانية: نحن لسنا جالية واحدة بالمعنى السياسي. هذا لبناني، وذاك سوري، وهذا مصري، وذاك مغربي. هذا مسلم، وذاك مسيحي. وأضاف: العرب يتحركون غالبًا كعرب، لا ككيبيكيين. يدخلون الاجتماعات وكأنهم وفد من جامعة الدول العربية البائسة، جاء يحمل ملف قضاياه، بينما يدخل الآخرون باعتبارهم من المجتمع. العرب يريدون من كيبيك أن تفهمهم كعرب، بينما غيرهم يريد من كيبيك أن تفهمه كجزء منها.
المخضرم لم يحمّل العرب وحدهم المسؤولية. قال: الأحزاب ليست جمعيات خيرية، والسياسة لها أبوابها وحراسها وشبكاتها. هناك فرق بين أن يقول لك الحزب: "نحن سعداء بوجودك"، وبين أن يقول: "نريدك مرشحًا في دائرة تستطيع الفوز فيها". الوصول إلى الحزب شيء، والوصول إلى الترشيح شيء آخر، والوصول إلى دائرة قابلة للفوز شيء ثالث. ومع ذلك، الأحزاب الكيبيكية ليست مغلقة في وجه العرب. هي تحتاج إلى أصواتهم، لكنها تتحرك بحسابات انتخابية. فإذا لم ترَ في الجالية قوة منظمة تستطيع تحريك الأصوات، فلن تجد سببًا كافيًا كي تعاملها كقوة سياسية. إذ لا يكفي أن تقول للحزب "نحن موجودون"، عليك أن تجعله يعرف أن تجاهله لك له ثمن يوم الانتخابات! فالسياسة، كما يقول، لا تعمل كثيرا بمنطق "نحن طيبون ونستحق التمثيل"، بل بمنطق أكثر قسوة: ماذا تستطيع أن تضيف إلى الحزب، وماذا يستطيع الحزب أن يخسر إذا تجاهلك؟ وهنا قال: نحن نتعامل مع السياسة باعتبارها موسمًا او حتى سيارة أوبر تستدعيها عندما تحتاجها، لكن السياسة اشتراك طويل الأجل. تدخل الحزب اليوم، تعمل في حملة غدًا، تحضر الاجتماعات، تبني العلاقات، وتنتظر سنوات حتى يصبح لك موقع. أمّا أن تبقى عشر سنوات خارج اللعبة، ثم تظهر ليلة الانتخابات وتسأل لماذا لا يوجد لنا مرشح، فهذا يشبه شخصا لم يزر النادي طوال السنة ثم يذهب إليه قبل الصيف ويسأل لماذا لم يختفِ كرشه!
ثم تحدّث عن الكفاءات. قال: لدينا أطباء ومهندسون ومحامون وأساتذة ورجال أعمال ناجحون. لكن النجاح المهني لا يتحول تلقائيًّا إلى نفوذ سياسي. عيادتك تبنيها خلال عشرين سنة، وشركتك خلال عشر سنوات، ثم تريد أن تبني نفوذك السياسي في ثلاثة أشهر قبل الانتخابات؟ هذا محال. ثم لخص بجملة تستحق أن تُرفع كشعار: العرب لا تنقصهم الكفاءات. تنقصهم القدرة على تحويل الكفاءات إلى قوة.
ثم قال: الجالية لا تستطيع أن تنتظر من الأحزاب الكيبيكية أن تأتي إليها دائما. عليها أيضًا أن تذهب إليها، أن تكون في الفروع المحلية، في الحملات، في اللجان، في صياغة البرامج، وأن تكون موجودة عندما يناقش الحزب التعليم والصحة والإسكان والهجرة واللغة والاقتصاد، لا فقط عندما تكون القضية "قضية عربية"! فإذا ظهرت فقط للدفاع عن قضيتك، بقيت جالية. أما إذا شاركت في قضايا المجتمع كلها، أصبحت منه.
المخضرم لم يغفل الإحصائيات التي تقول إن أبناء من الأقليات يشعرون أن اللعبة السياسية ليست لهم، وأن التمييز يدفعهم إلى الابتعاد عن المؤسسات. ثم قال: لذلك لا يجوز أن نقول للعربي: المشكلة فيك وحدك، ولا أن يقول العربي: المشكلة فيهم وحدهم. فجزء من الباب قد يكون مغلقًا، لكن جزءًا آخر نحن لا نحاول حتى فتحه.
صمت لبرهة، ثم أكمل: مع تحوّل الهجرة واللغة والعلمانية والاندماج إلى ملفات انتخابية، لم يعد لدى العرب ترف الوقوف على الرصيف ومراقبة السيارات وهي تمر. اللعبة تُلعب الآن. فالانتخابات ليست موسمًا للخطابات والتقاط الصور، بل اختبار لقدرة العرب على العمل الطويل، والصبر، وطول البال، وطول النفس أيضًا. السؤال: ليس كم عدد العرب في كيبيك؟ السؤال: كم عدد العرب المستعدين لقضاء عشر سنوات في بناء نفوذ سياسي؟ فالجالية لا ينقصها العدد. ينقصها التنظيم والنفس الطويل، وينقصها أن تفهم أن السياسة ليست صورة جماعية أمام البرلمان. أما إذا بقي العرب ينتظرون حتى يقع القانون على رؤوسهم، ثم يجتمعون ويختلفون ويشكلون لجنة ويصدرون بيانًا ويعود كل واحد إلى حياته الطبيعية، وكان الله يحب المحسنين، فسيبقى عددهم يكبر، أما نفوذهم، فسيبقى في مكانه.
أخيرًا، اختصر المخضرم الحكاية كلها قبل أن يغلق الهاتف، قال: يا عزيزي، المشكلة مش إنهم ما بدهم يسمعونا. المشكلة إننا بعدنا ما صرنا صوتا لا يستطيعون تجاهله!
رنّ الهاتف. الاسم على الشاشة ليس لشخص عادي. انه لمن عايش الجالية العربية في كيبيك منذ نعومة أظافرها، حين كان العربي فيها يُسجل ظهوره مثل مشاهدة طائر مهاجر غريب. ثم بقي حيًّا بما يكفي ليرى الجالية تتكاثر، دون أن يتكاثر معها وزنها السياسي. هذا المخضرم لا يحتاج إلى غوغل. يكفيه النظر إلى كفّه ليعرف عدد العرب، ويعرف أيضًا قوة تأثيرهم، وكيف تحولوا من أقلية لطيفة "لا تهش ولا تنش" إلى جالية تُربك الإحصاءات، لكنها لا تربك أحدا في صناديق الاقتراع.
بدأ حديثه بتنهيدة طويلة، تحسبها مقدمة رسمية لـ"إطار" كارثي، ككل الإطارات، قال: العرب كُثُر، لكن تأثيرهم لا يزال لا يغني ولا يسمن عن جوع، مضيفََا: المشكلة أننا نعتقد أن العدد وحده يصنع القوة. أن يكون عندك مئتا ألف شخص من خلفية عربية لا يعني أنك تملك مئتي ألف صوت سياسي. السياسي لا ينظر فقط إلى العدد، بل إلى من يصوّت، ومن ينظم، ومن يحضر، ومن يحرك الناس. نحن كُثُر، لكننا لم نتحول إلى قوة تعرف الأحزاب أنها لا تستطيع تجاهلها.
ثم انتقل إلى المشكلة الثانية: نحن لسنا جالية واحدة بالمعنى السياسي. هذا لبناني، وذاك سوري، وهذا مصري، وذاك مغربي. هذا مسلم، وذاك مسيحي. وأضاف: العرب يتحركون غالبًا كعرب، لا ككيبيكيين. يدخلون الاجتماعات وكأنهم وفد من جامعة الدول العربية البائسة، جاء يحمل ملف قضاياه، بينما يدخل الآخرون باعتبارهم من المجتمع. العرب يريدون من كيبيك أن تفهمهم كعرب، بينما غيرهم يريد من كيبيك أن تفهمه كجزء منها.
المخضرم لم يحمّل العرب وحدهم المسؤولية. قال: الأحزاب ليست جمعيات خيرية، والسياسة لها أبوابها وحراسها وشبكاتها. هناك فرق بين أن يقول لك الحزب: "نحن سعداء بوجودك"، وبين أن يقول: "نريدك مرشحًا في دائرة تستطيع الفوز فيها". الوصول إلى الحزب شيء، والوصول إلى الترشيح شيء آخر، والوصول إلى دائرة قابلة للفوز شيء ثالث. ومع ذلك، الأحزاب الكيبيكية ليست مغلقة في وجه العرب. هي تحتاج إلى أصواتهم، لكنها تتحرك بحسابات انتخابية. فإذا لم ترَ في الجالية قوة منظمة تستطيع تحريك الأصوات، فلن تجد سببًا كافيًا كي تعاملها كقوة سياسية. إذ لا يكفي أن تقول للحزب "نحن موجودون"، عليك أن تجعله يعرف أن تجاهله لك له ثمن يوم الانتخابات! فالسياسة، كما يقول، لا تعمل كثيرا بمنطق "نحن طيبون ونستحق التمثيل"، بل بمنطق أكثر قسوة: ماذا تستطيع أن تضيف إلى الحزب، وماذا يستطيع الحزب أن يخسر إذا تجاهلك؟ وهنا قال: نحن نتعامل مع السياسة باعتبارها موسمًا او حتى سيارة أوبر تستدعيها عندما تحتاجها، لكن السياسة اشتراك طويل الأجل. تدخل الحزب اليوم، تعمل في حملة غدًا، تحضر الاجتماعات، تبني العلاقات، وتنتظر سنوات حتى يصبح لك موقع. أمّا أن تبقى عشر سنوات خارج اللعبة، ثم تظهر ليلة الانتخابات وتسأل لماذا لا يوجد لنا مرشح، فهذا يشبه شخصا لم يزر النادي طوال السنة ثم يذهب إليه قبل الصيف ويسأل لماذا لم يختفِ كرشه!
ثم تحدّث عن الكفاءات. قال: لدينا أطباء ومهندسون ومحامون وأساتذة ورجال أعمال ناجحون. لكن النجاح المهني لا يتحول تلقائيًّا إلى نفوذ سياسي. عيادتك تبنيها خلال عشرين سنة، وشركتك خلال عشر سنوات، ثم تريد أن تبني نفوذك السياسي في ثلاثة أشهر قبل الانتخابات؟ هذا محال. ثم لخص بجملة تستحق أن تُرفع كشعار: العرب لا تنقصهم الكفاءات. تنقصهم القدرة على تحويل الكفاءات إلى قوة.
ثم قال: الجالية لا تستطيع أن تنتظر من الأحزاب الكيبيكية أن تأتي إليها دائما. عليها أيضًا أن تذهب إليها، أن تكون في الفروع المحلية، في الحملات، في اللجان، في صياغة البرامج، وأن تكون موجودة عندما يناقش الحزب التعليم والصحة والإسكان والهجرة واللغة والاقتصاد، لا فقط عندما تكون القضية "قضية عربية"! فإذا ظهرت فقط للدفاع عن قضيتك، بقيت جالية. أما إذا شاركت في قضايا المجتمع كلها، أصبحت منه.
المخضرم لم يغفل الإحصائيات التي تقول إن أبناء من الأقليات يشعرون أن اللعبة السياسية ليست لهم، وأن التمييز يدفعهم إلى الابتعاد عن المؤسسات. ثم قال: لذلك لا يجوز أن نقول للعربي: المشكلة فيك وحدك، ولا أن يقول العربي: المشكلة فيهم وحدهم. فجزء من الباب قد يكون مغلقًا، لكن جزءًا آخر نحن لا نحاول حتى فتحه.
صمت لبرهة، ثم أكمل: مع تحوّل الهجرة واللغة والعلمانية والاندماج إلى ملفات انتخابية، لم يعد لدى العرب ترف الوقوف على الرصيف ومراقبة السيارات وهي تمر. اللعبة تُلعب الآن. فالانتخابات ليست موسمًا للخطابات والتقاط الصور، بل اختبار لقدرة العرب على العمل الطويل، والصبر، وطول البال، وطول النفس أيضًا. السؤال: ليس كم عدد العرب في كيبيك؟ السؤال: كم عدد العرب المستعدين لقضاء عشر سنوات في بناء نفوذ سياسي؟ فالجالية لا ينقصها العدد. ينقصها التنظيم والنفس الطويل، وينقصها أن تفهم أن السياسة ليست صورة جماعية أمام البرلمان. أما إذا بقي العرب ينتظرون حتى يقع القانون على رؤوسهم، ثم يجتمعون ويختلفون ويشكلون لجنة ويصدرون بيانًا ويعود كل واحد إلى حياته الطبيعية، وكان الله يحب المحسنين، فسيبقى عددهم يكبر، أما نفوذهم، فسيبقى في مكانه.
أخيرًا، اختصر المخضرم الحكاية كلها قبل أن يغلق الهاتف، قال: يا عزيزي، المشكلة مش إنهم ما بدهم يسمعونا. المشكلة إننا بعدنا ما صرنا صوتا لا يستطيعون تجاهله!
21 مشاهدة
14 سبتمبر, 2026
27 مشاهدة
14 سبتمبر, 2026
69 مشاهدة
14 سبتمبر, 2026