طلال طه ـ مونتريال
سماء الضيعة تضج بالغيوم شتاء، ترسم اشكالا واشباحا، وتفرج عن شمس خجولة لأيام معدودة، غيوم محملة بصنابير مياه دافقة، وبحبات مطر تحمل عبء الماء والخير لكفر الكونية وتهتم بالضيع المجاورة كرما وجودا، وتعوض لها نقصها في الينابيع والأنهار.
أرضها الجفاف – وهي قليلة – أدبها العطش، فهي تزرع موسما واحدا حذرا وخشية، وغيرها على الساحل أو على ضفاف الأنهار، يزرع موسمين أو ثلاث، لذلك كان التبغ حصادها الأثير، على قلة ما اعتمدت من زرع.. يزرع على عطش، ويقطف ليلا في السر، ويذيق العاملين عليه المر ونذالة البيك!
نعم.. بساتين الناس الذين نعموا ببضعة أمتار حول منازلهم كانت تزرع بأشجار مثمرة، تثمر على مدار السنة ثمرا طيبا، و تظلل بفيئها أهل الدار، وتنظف الهواء، وترطب المناخ، وتصلح اعشاشا للعصافير..
كان ناس الضيعة كترابها وتاريخها، يتوزعون على عائلات متنوعة في العدد والثروة والجاه والثقافة والعلم والطموح، في أحيائهم المتفرعة من سوق المدينة يسيرون على مهل، ثم يسرعون الخطى إذا وصلوها، دأب أهل المدن وانشغالاتهم!
في كفر الكونية يتوزع بعض الناس أفقيا على سٌنة الناس في قراهم، وآخرون يعلون درجات كبعض أهل المدينة، الذين حطت بهم الأقدار في السهل حملوا من ألق المدينة شيئا في روحهم، والذين افتعلوا التلال والطبقات العالية لا يزالون يحملون في فطرتهم طراوة العشب ورائحة التراب، وسواء الذين كانوا ينظرون أفقيا أو الذين كانوا ينظرون من فوق، كانوا يرون الجامع القديم بقبته المتآكلة ونوافذه المفتوحة على سماء..
ما افتقدته كفر الكونية من نعمة الجغرافيا، مساحات مفتوحة من الأرض، وينابيع غزيرة من الماء، مع ذلك تمكن أهلها من الجبال، توسعوا من وسط المدينة الى أطرافها، وهكذا بقي الناس يراقبون بعضهم البعض، وقد تعاقب على مصاطب البلدة وصالوناتها ومقاهيها الكثيرة حكاؤون وناس كثيرون، كل قدم روايته ومضى، منهم من حكاها، ومنهم من عاشها وكفى.. تلك كانت سيرتهم!
تقول الرواية: أن الضيعة بناها مجموعة من الرجال الشجعان، يتفاخر الناس بهم إذ حافظوا على أسوارها، أسوار حقيقية رفعت بوجه المحتل الغاصب والمجرم، واسوار وهمية رسمها الخيال والخوف، ومع كل عدو كانت تستعمل أسلحة مختلفة، وبعد انسحاب المحتل، بقي الخوف يغذي الخيال ليرفع اسوارا أخرى خلف الاسوار القديمة، إذ تتحدث النبوءة عن قوم آخرين سيأتون آخر الزمان يفككون سنابل القمح ويعصرون زيتها!
يزعم أهل الضيعة أن القدر قد تجاوز مألوف سيرته وتحكمت ريح غامضة المصدر بأشرعة مراكبها وناسها، وهكذا بدا لبعض العرافين أن ما كان مقدرا لناس الضيعة قد تبدل وتغير بفضل موقف واحد لشيخ أبلى لياليه بالدعاء.. واعتصم في النهار بحجب يده عن المصافحة!
وناس الضيعة، هم ذاتهم ناس البلدة التي تحولت الى مدينة، فائض من بركات تلك الأرض التي تصلبت حول أقدامهم المغروسة في ترابها.. لولا النبوءة التي بدأ الحديث عنها باكرا صباح يوم جمعة من أيام شهر الصوم لعام يذكره الحاج ابو منيف جيدا!
كانت "كفر الكونية" مثل ضيع القصص القديمة، كلما انطفأت قصة أو خبا نارها، اشتعلت قصة أخرى، اشد من سابقتها تشويقا، وإشراكا لعدد أكبر من الناس، الطيبين والاشرار..
ناسها من الطيبين أصلا، الذين تحولوا الى أشرار كانوا قلة، تمكنوا من مصير البلدة في بعض فترات من التاريخ، لكنهم كانوا ينتهون الى خسار، ويتركون وراءهم بعض صغار الأشرار المغرر بهم، الذين سرعان ما يتعلقون بمنارة الجامع القديم، أو يصطفون خلف شباك الاعتراف في كنيسة البلدة، أو يفرون الى الطبيعة لتغسلهم من ذنوبهم وتطهرهم بالتراب!
ناس "كفر الكونية" اختيروا بعناية ليلعبوا أدوارهم المحكمة في هذه البقعة من الكوكب، يألفون ويؤلفون، توزعوا أدوارهم فوق مسرح المدينة منذ ما قبل القرن الهجري الأول، هاجرت قبائل من اليمن وحطت رحالها قريبا من البحر، حملت معها مع امتعتها قدرا للقادم من الأيام، اخبر المهاجرون الأوائل أبناءهم واحفادهم عن هذه العناية التي خصها الإله لهؤلاء الناس ولهذا الجبل، وراحت الأجيال تتناقل هذه الأخبار مسلمة مرسلة من دون قيد أو شرط، ودون بحث في علم الرجال، فالذين تناقلوها.. هم الرجال أنفسهم!
كانت ضيعة إذا زرتها شتاء بكيت، وإن لم تزرها بكيت عليك!
لم تعرف هذه البلدة غير اله واحد موجودة آثاره في كل زوايا البلدة، الآلهة الآخرون الذين عبدهم أناس آخرون لا توجد لهم آثار، وكل الحفريات القديمة لم تصل الى ما حطم ابراهيم من اصنام – آلهة!
سماء الضيعة تضج بالغيوم شتاء، ترسم اشكالا واشباحا، وتفرج عن شمس خجولة لأيام معدودة، غيوم محملة بصنابير مياه دافقة، وبحبات مطر تحمل عبء الماء والخير لكفر الكونية وتهتم بالضيع المجاورة كرما وجودا، وتعوض لها نقصها في الينابيع والأنهار.
أرضها الجفاف – وهي قليلة – أدبها العطش، فهي تزرع موسما واحدا حذرا وخشية، وغيرها على الساحل أو على ضفاف الأنهار، يزرع موسمين أو ثلاث، لذلك كان التبغ حصادها الأثير، على قلة ما اعتمدت من زرع.. يزرع على عطش، ويقطف ليلا في السر، ويذيق العاملين عليه المر ونذالة البيك!
نعم.. بساتين الناس الذين نعموا ببضعة أمتار حول منازلهم كانت تزرع بأشجار مثمرة، تثمر على مدار السنة ثمرا طيبا، و تظلل بفيئها أهل الدار، وتنظف الهواء، وترطب المناخ، وتصلح اعشاشا للعصافير..
كان ناس الضيعة كترابها وتاريخها، يتوزعون على عائلات متنوعة في العدد والثروة والجاه والثقافة والعلم والطموح، في أحيائهم المتفرعة من سوق المدينة يسيرون على مهل، ثم يسرعون الخطى إذا وصلوها، دأب أهل المدن وانشغالاتهم!
في كفر الكونية يتوزع بعض الناس أفقيا على سٌنة الناس في قراهم، وآخرون يعلون درجات كبعض أهل المدينة، الذين حطت بهم الأقدار في السهل حملوا من ألق المدينة شيئا في روحهم، والذين افتعلوا التلال والطبقات العالية لا يزالون يحملون في فطرتهم طراوة العشب ورائحة التراب، وسواء الذين كانوا ينظرون أفقيا أو الذين كانوا ينظرون من فوق، كانوا يرون الجامع القديم بقبته المتآكلة ونوافذه المفتوحة على سماء..
ما افتقدته كفر الكونية من نعمة الجغرافيا، مساحات مفتوحة من الأرض، وينابيع غزيرة من الماء، مع ذلك تمكن أهلها من الجبال، توسعوا من وسط المدينة الى أطرافها، وهكذا بقي الناس يراقبون بعضهم البعض، وقد تعاقب على مصاطب البلدة وصالوناتها ومقاهيها الكثيرة حكاؤون وناس كثيرون، كل قدم روايته ومضى، منهم من حكاها، ومنهم من عاشها وكفى.. تلك كانت سيرتهم!
تقول الرواية: أن الضيعة بناها مجموعة من الرجال الشجعان، يتفاخر الناس بهم إذ حافظوا على أسوارها، أسوار حقيقية رفعت بوجه المحتل الغاصب والمجرم، واسوار وهمية رسمها الخيال والخوف، ومع كل عدو كانت تستعمل أسلحة مختلفة، وبعد انسحاب المحتل، بقي الخوف يغذي الخيال ليرفع اسوارا أخرى خلف الاسوار القديمة، إذ تتحدث النبوءة عن قوم آخرين سيأتون آخر الزمان يفككون سنابل القمح ويعصرون زيتها!
يزعم أهل الضيعة أن القدر قد تجاوز مألوف سيرته وتحكمت ريح غامضة المصدر بأشرعة مراكبها وناسها، وهكذا بدا لبعض العرافين أن ما كان مقدرا لناس الضيعة قد تبدل وتغير بفضل موقف واحد لشيخ أبلى لياليه بالدعاء.. واعتصم في النهار بحجب يده عن المصافحة!
وناس الضيعة، هم ذاتهم ناس البلدة التي تحولت الى مدينة، فائض من بركات تلك الأرض التي تصلبت حول أقدامهم المغروسة في ترابها.. لولا النبوءة التي بدأ الحديث عنها باكرا صباح يوم جمعة من أيام شهر الصوم لعام يذكره الحاج ابو منيف جيدا!
كانت "كفر الكونية" مثل ضيع القصص القديمة، كلما انطفأت قصة أو خبا نارها، اشتعلت قصة أخرى، اشد من سابقتها تشويقا، وإشراكا لعدد أكبر من الناس، الطيبين والاشرار..
ناسها من الطيبين أصلا، الذين تحولوا الى أشرار كانوا قلة، تمكنوا من مصير البلدة في بعض فترات من التاريخ، لكنهم كانوا ينتهون الى خسار، ويتركون وراءهم بعض صغار الأشرار المغرر بهم، الذين سرعان ما يتعلقون بمنارة الجامع القديم، أو يصطفون خلف شباك الاعتراف في كنيسة البلدة، أو يفرون الى الطبيعة لتغسلهم من ذنوبهم وتطهرهم بالتراب!
ناس "كفر الكونية" اختيروا بعناية ليلعبوا أدوارهم المحكمة في هذه البقعة من الكوكب، يألفون ويؤلفون، توزعوا أدوارهم فوق مسرح المدينة منذ ما قبل القرن الهجري الأول، هاجرت قبائل من اليمن وحطت رحالها قريبا من البحر، حملت معها مع امتعتها قدرا للقادم من الأيام، اخبر المهاجرون الأوائل أبناءهم واحفادهم عن هذه العناية التي خصها الإله لهؤلاء الناس ولهذا الجبل، وراحت الأجيال تتناقل هذه الأخبار مسلمة مرسلة من دون قيد أو شرط، ودون بحث في علم الرجال، فالذين تناقلوها.. هم الرجال أنفسهم!
كانت ضيعة إذا زرتها شتاء بكيت، وإن لم تزرها بكيت عليك!
لم تعرف هذه البلدة غير اله واحد موجودة آثاره في كل زوايا البلدة، الآلهة الآخرون الذين عبدهم أناس آخرون لا توجد لهم آثار، وكل الحفريات القديمة لم تصل الى ما حطم ابراهيم من اصنام – آلهة!
92 مشاهدة
28 سبتمبر, 2026
155 مشاهدة
06 سبتمبر, 2026
255 مشاهدة
27 أغسطس, 2026