في خطوة قد تعيد رسم خريطة التحالفات الاقتصادية والسياسية العالمية، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أنه يتوقع استكمال المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بحلول يونيو المقبل، تمهيداً لمنح كندا وضع «عضو منتسب»، لتصبح أول دولة تحظى بهذا النوع من العلاقة مع التكتل الأوروبي، في ظل تصاعد التوترات التجارية والسياسية مع الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب.
وجاء إعلان كارني خلال قمة كندية أوروبية استمرت يومين في مونتريال، حيث أطلق الجانبان مبادرة جديدة تحت اسم «التحالف من أجل المستقبل»، بهدف تعزيز السيادة الاقتصادية والسياسية، وتقليل الاعتماد على واشنطن، وتوسيع التعاون في مجالات التجارة والتكنولوجيا والدفاع والأمن.
وأكد كارني أن التحالف الجديد لا يستهدف أي دولة، بل يسعى إلى تمكين كندا وأوروبا من اتخاذ قراراتهما بصورة مستقلة، بعيداً عن الضغوط التي قد تمارسها القوى الكبرى.
من جهتها، شددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على عمق التقارب بين الجانبين، مؤكدة أن التحولات التي يشهدها النظام العالمي ليست مؤقتة، وأن كندا وأوروبا تتشاركان رؤية متقاربة بشأن المستقبل.
ويأتي هذا التقارب في وقت تثير فيه السياسات التجارية للرئيس الأميركي دونالد ترامب قلق الحلفاء التقليديين لواشنطن، خصوصاً بعد تهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية. وكان ترامب قد اعتبر أن الترتيبات المقترحة بين كندا والاتحاد الأوروبي قد تشكل «عملاً عدائياً»، ملوّحاً بإجراءات تجارية ضد أوروبا إذا رأى فيها تهديداً للمصالح الأميركية.
اتفاقيات اقتصادية وتكنولوجية جديدة
وعلى الصعيد الاقتصادي، أعلن الطرفان اختتام المفاوضات بشأن اتفاقية جديدة للتجارة الرقمية، تهدف إلى تسهيل وصول الشركات الكندية والأوروبية إلى الأسواق عبر الأطلسي، وتقليل الإجراءات الإدارية.
كما وقّعت كندا اتفاقاً يتيح لبنك الاستثمار الأوروبي تمويل مشاريع المعادن الحيوية داخل البلاد، في خطوة قد تفتح الباب أمام استثمارات جديدة في قطاع التعدين الكندي.
وشملت التفاهمات أيضاً انضمام كندا إلى مبادرة أوروبية للحوسبة الفائقة، بما يتيح للباحثين الكنديين الاستفادة من قدرات تكنولوجية متقدمة، إلى جانب اتفاق بشأن المنافسة يهدف إلى الحد من الممارسات الاحتكارية والمساهمة في خفض الأسعار للمستهلكين.
ويبحث الجانبان كذلك ربط أنظمة الدفع الفوري لتسهيل التحويلات المالية بين كندا وأوروبا، وتسريعها وخفض تكلفتها.
تعاون دفاعي وفرص جديدة للطلاب والشباب
ولم تقتصر المحادثات على الاقتصاد، إذ اتفق الطرفان على تعزيز التعاون في مجالات الدفاع والأمن السيبراني وأمن القطب الشمالي ومواجهة التدخلات الأجنبية.
كما سيبحثان توسيع مشاركة كندا في برنامج «إيراسموس بلس» الأوروبي للتبادل الطلابي، وتسهيل فرص الدراسة والعمل للشباب على جانبي الأطلسي.
وشملت التفاهمات أيضاً دراسة إمكانية تصدير الغاز الطبيعي المسال الكندي إلى أوروبا، إلى جانب استكشاف مشاريع جديدة لكابلات الاتصالات البحرية تربط كندا بأوروبا وآسيا.
هل تصبح كندا عضواً في الاتحاد الأوروبي؟
ورغم التفاؤل الذي أبداه كارني، فإن العضوية المنتسبة لم تُحسم رسمياً بعد، إذ لم يتضمن البيان المشترك للقمة إشارة صريحة إلى هذا الوضع.
وبدلاً من ذلك، اتفق القادة على تطوير علاقة أكثر تقارباً، على أن تُحدد طبيعتها بصورة أوضح بحلول القمة المقبلة عام 2027.
ومن المقرر أن يجتمع الوزراء الكنديون والمفوضون الأوروبيون في مارس المقبل، قبل مشاركة كارني في اجتماعات المجلس الأوروبي في يونيو 2027، حيث يأمل التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن العلاقة الجديدة.
وأكد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أن الهدف هو بناء شراكة غير مسبوقة تتجاوز العلاقات التقليدية بين الاتحاد الأوروبي والدول غير الأعضاء، من دون الوصول إلى العضوية الكاملة.
كندا تسعى لتقليل اعتمادها على السوق الأميركية
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة للاقتصاد الكندي، إذ استحوذت الولايات المتحدة على نحو 71.7% من صادرات كندا السلعية عام 2025، ما يجعل البلاد شديدة التأثر بأي توترات تجارية مع واشنطن.
ويسعى كارني إلى مضاعفة الصادرات الكندية إلى الأسواق خارج الولايات المتحدة خلال العقد المقبل، عبر تنويع الشراكات الاقتصادية وفتح أسواق جديدة أمام الشركات الكندية.
وبين طموحات أوتاوا لبناء تحالفات أكثر استقلالية، ومخاوف واشنطن من تراجع نفوذها على شركائها التقليديين، تبدو العلاقات الكندية الأوروبية مقبلة على مرحلة جديدة قد تحمل تغييرات كبيرة في موازين التجارة والسياسة الدولية.
29 مشاهدة
02 نوفمبر, 2026
23 مشاهدة
02 نوفمبر, 2026
32 مشاهدة
30 أكتوبر, 2026