د. طنوس شلهوب - مونتريال
ليس أهم ما في «نازا» أنه فيلم إسرائيلي يكشف ما يجري في غزة، ولا أن أصواتاً إسرائيلية تشهد من داخل المؤسسة العسكرية على قتل المدنيين. فالفلسطينيون لم يكونوا بحاجة إلى شهادة إسرائيلية كي يعرف العالم ما حلّ بهم. تكمن الأهمية السياسية للفيلم في مكان آخر: إنه يحاول أن يكشف الآلية التي يتحول فيها قتل الإنسان من نتيجة للحرب إلى جزء من عملية منظمة لاتخاذ القرار.
الفيلم، للمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، يستند إلى شهادات 24 من العسكريين والعاملين في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ويعرض، وفق صانعيه، منظومة تستعمل البيانات والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تحديد أهداف القصف، مع إدخال أعداد المدنيين المتوقع قتلهم في الحسابات المتعلقة بالضربة. وقد حصل الفيلم على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية. في المقابل، رفض الجيش الإسرائيلي الادعاءات الواردة فيه وشكك في إمكانية التحقق من شهادات المصادر المجهّلة.
لكن قيمة هذه الشهادات لا تكمن في إثبات أن المدنيين الفلسطينيين يُقتلون في سياق سياسة ابادة ممنهجة؛ فهذه الحقيقة موثقة على نطاق واسع. قيمتها أنها تفتح نافذة على كيفية دخول الموت نفسه إلى بنية المؤسسة: يُقدَّر، ويُحسب، ويُقبل، ثم يُنفّذ.
وهنا يصبح من المفيد استحضار مفهوم «السياسة الموتية» الذي طوّره أشيل مبيمبي في تحليله لعلاقة السلطة بالاستعمار والعنف والسيادة. فالمسألة، في هذا الإطار، لا تتعلق بالقتل المباشر وحده، بل بقدرة السلطة على تحديد من يمكن أن يعيش، ومن يمكن تعريضه للموت، ومن يمكن دفعه إلى ظروف تجعل الحياة نفسها غير قابلة للاستمرار. ويربط مبيمبي هذا المنطق بتاريخ الاستعمار وما يسميه «عوالم الموت».
لكن الحالة الفلسطينية تضيف إلى ذلك بُعداً أساسياً: الأرض. فالاستعمار الإحلالي لا يقوم فقط على السيطرة على السكان، وإنما على إعادة تشكيل العلاقة بين الأرض والسكان. ومن هنا، عندما يصطدم المشروع بمقاومة السكان الذين يعيشون على الأرض ويتمسكون بها، يمكن أن يتحول العنف من وسيلة عسكرية إلى أداة في الصراع على شروط البقاء نفسها.
لهذا لا ينبغي أن ننظر إلى قتل الإنسان وتدمير البيت والبنية التحتية ودفع السكان إلى النزوح بوصفها وقائع منفصلة بالضرورة. السؤال الأهم هو: ما العلاقة بين هذه الأفعال، وما الوظيفة التي يمكن أن يؤديها العنف في إعادة تشكيل المجال السكاني والسياسي؟
هنا يكتسب فيلم «نازا» أهميته. فالفيلم لا يكتفي بإظهار نتائج القصف، بل يحاول أن يدخل إلى سلسلة إنتاج الموت نفسها: من المعلومة، إلى تحديد الهدف، إلى الحساب التقني، إلى القرار، إلى الصاروخ، ثم إلى الضحايا.
والمفارقة أن التكنولوجيا الحديثة، التي يُفترض أنها تجعل الحرب أكثر دقة، قد تجعل القتل أيضاً أكثر بعداً عن الإنسان الذي يقع ضحية له. فالعامل أمام الشاشة لا يرى بالضرورة الاطفال الذين سيُقتلون في المنزل الذي يظهر أمامه على الخريطة؛ يرى هدفاً وبيانات واحتمالات وأرقاماً. هنا لا تلغي التكنولوجيا السياسة، بل تخفيها خلف التقنية. الموت يصبح رقماً، والرقم يصبح قراراً، والقرار يصبح فعلاً عسكرياً.
وهذه ربما هي أكثر النقاط إثارة للقلق في الفيلم: ليس وجود أفراد يمارسون العنف الوحشي، وإنما وجود منظومة تجعل العنف قابلاً للتنظيم والتكرار والتطبيع. وهو ما يفسر تركيز صانعي الفيلم على النظام نفسه، لا على البحث عن «أفراد أشرار» فقط.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الإبادة لا باعتبارها انفجاراً استثنائياً للعنف منفصلاً عن تاريخ الصراع، وإنما باعتبارها لحظة قصوى تستحق أن تُقرأ في علاقتها ببنية أوسع: الاستعمار، الأرض، السكان، السيطرة، الإزاحة، والعنف.
لا بد من الإشارة إلى أن فيلم «نازا» وحده لا يقدم دليلاً على طبيعة المشروع الصهيوني بأكمله، ولا ينبغي تحميله أكثر مما يستطيع إثباته. كما أن مفهوم «الاستعمار الإحلالي» لا يعني أن كل فعل عسكري يمكن تفسيره آلياً به. لكن الفيلم يقدم مادة مهمة لفهم كيف يمكن للعنف أن يعمل داخل مشروع سياسي يقوم على السيطرة على الأرض وإعادة تشكيل المجال السكاني. وهذا هو المستوى الذي يتجاوز فيه «نازا» حدود الفيلم.
فهو يدخل في صراع أوسع على الرواية: هل ما يحدث في غزة مجرد حرب بين طرفين، وما يصيب المدنيين نتائج مؤسفة لا يمكن تجنبها؟ أم أن علينا أن ننظر أيضاً إلى البنية السياسية والمادية التي تجعل تدمير شروط الحياة نفسها جزءاً من الصراع؟ من هنا نفهم أيضاً الانقسام حول الفيلم.
هناك من يراه اختراقاً مهماً للرواية الإسرائيلية من الداخل، لأن أفراداً عملوا داخل المؤسسة يتحدثون عن آلياتها. وهناك من يخشى أن يؤدي التركيز على «الشاهد الإسرائيلي» إلى إعادة إنتاج فكرة غير عادلة: كأن معاناة الفلسطيني تحتاج إلى صوت إسرائيلي كي تصبح حقيقة. ولكن الأمران يمكن أن يجتمعا. صوت الفلسطيني هو صوت صاحب الأرض والضحية، ولا يحتاج إلى ختم إسرائيلي كي يثبت حقيقة ما عاشه. أما الصوت القادم من داخل المؤسسة الإسرائيلية فتكمن قيمته في كشف ما يحدث داخل البنية التي تنتج العنف. لهذا فإن أهمية «نازا» ليست في أن إسرائيليين قالوا الحقيقة. أهميته في أن بعض الأصوات القادمة من داخل المؤسسة نفسها تكشف الطريق الذي تسلكه الحقيقة قبل أن تتحول إلى موت: من المعلومة إلى الهدف، ومن الهدف إلى الرقم، ومن الرقم إلى القرار، ومن القرار إلى تدمير حياة بشر.
وهنا يصبح سؤال مبيمبي أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث عندما لا تعود السلطة تكتفي بإدارة حياة السكان، بل تصبح قادرة على إدارة موتهم؟ في الحالة الفلسطينية، لا يمكن فصل هذا السؤال عن الأرض والاستعمار والإحلال. وعندها لا يعود «نازا» مجرد فيلم عن غزة، بل يصبح نافذة على سؤال أكبر: كيف يتحول العنف الاستعماري من فعل عسكري إلى بنية مؤسسية وتقنية لإدارة الموت؟
وفي النهاية، ربما تكون المسألة أبسط وأكثر قسوة من كل المفاهيم التي نحاول من خلالها فهمها. خلف كل رقم طفل كان يمكن أن يكبر، وأم كانت تنتظر عودة أبنائها، وبيت كان يعني لأصحابه أكثر من جدرانه، وحياة كاملة جرى اختزالها في رقم داخل منظومة حسابية.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً: كلما تطورت أدوات القتل وأصبحت أكثر دقة وتنظيماً، ازدادت الحاجة إلى استعادة الإنسان الذي تحاول الأرقام إخفاءه. فما تسميه المنظومة «خسائر مدنية» ليس خسارة مجردة. إنه إنسان.
ومن هنا، فإن مقاومة تحويل الموت إلى رقم ليست مجرد مسألة أخلاقية؛ إنها أيضاً رفض لمنطق يجعل حياة شعب قابلة للحساب، وأرضه قابلة للإحلال، وموته قابلاً للإدارة.
وربما لهذا يستحق «نازا» أن يُسمع: ليس لأنه جاء بالحقيقة من إسرائيل، بل لأنه يكشف، من داخل منظومة القوة نفسها، كيف يمكن للإنسان أن يختفي عندما يتحول الموت إلى سياسة.
ليس أهم ما في «نازا» أنه فيلم إسرائيلي يكشف ما يجري في غزة، ولا أن أصواتاً إسرائيلية تشهد من داخل المؤسسة العسكرية على قتل المدنيين. فالفلسطينيون لم يكونوا بحاجة إلى شهادة إسرائيلية كي يعرف العالم ما حلّ بهم. تكمن الأهمية السياسية للفيلم في مكان آخر: إنه يحاول أن يكشف الآلية التي يتحول فيها قتل الإنسان من نتيجة للحرب إلى جزء من عملية منظمة لاتخاذ القرار.
الفيلم، للمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، يستند إلى شهادات 24 من العسكريين والعاملين في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ويعرض، وفق صانعيه، منظومة تستعمل البيانات والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تحديد أهداف القصف، مع إدخال أعداد المدنيين المتوقع قتلهم في الحسابات المتعلقة بالضربة. وقد حصل الفيلم على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية. في المقابل، رفض الجيش الإسرائيلي الادعاءات الواردة فيه وشكك في إمكانية التحقق من شهادات المصادر المجهّلة.
لكن قيمة هذه الشهادات لا تكمن في إثبات أن المدنيين الفلسطينيين يُقتلون في سياق سياسة ابادة ممنهجة؛ فهذه الحقيقة موثقة على نطاق واسع. قيمتها أنها تفتح نافذة على كيفية دخول الموت نفسه إلى بنية المؤسسة: يُقدَّر، ويُحسب، ويُقبل، ثم يُنفّذ.
وهنا يصبح من المفيد استحضار مفهوم «السياسة الموتية» الذي طوّره أشيل مبيمبي في تحليله لعلاقة السلطة بالاستعمار والعنف والسيادة. فالمسألة، في هذا الإطار، لا تتعلق بالقتل المباشر وحده، بل بقدرة السلطة على تحديد من يمكن أن يعيش، ومن يمكن تعريضه للموت، ومن يمكن دفعه إلى ظروف تجعل الحياة نفسها غير قابلة للاستمرار. ويربط مبيمبي هذا المنطق بتاريخ الاستعمار وما يسميه «عوالم الموت».
لكن الحالة الفلسطينية تضيف إلى ذلك بُعداً أساسياً: الأرض. فالاستعمار الإحلالي لا يقوم فقط على السيطرة على السكان، وإنما على إعادة تشكيل العلاقة بين الأرض والسكان. ومن هنا، عندما يصطدم المشروع بمقاومة السكان الذين يعيشون على الأرض ويتمسكون بها، يمكن أن يتحول العنف من وسيلة عسكرية إلى أداة في الصراع على شروط البقاء نفسها.
لهذا لا ينبغي أن ننظر إلى قتل الإنسان وتدمير البيت والبنية التحتية ودفع السكان إلى النزوح بوصفها وقائع منفصلة بالضرورة. السؤال الأهم هو: ما العلاقة بين هذه الأفعال، وما الوظيفة التي يمكن أن يؤديها العنف في إعادة تشكيل المجال السكاني والسياسي؟
هنا يكتسب فيلم «نازا» أهميته. فالفيلم لا يكتفي بإظهار نتائج القصف، بل يحاول أن يدخل إلى سلسلة إنتاج الموت نفسها: من المعلومة، إلى تحديد الهدف، إلى الحساب التقني، إلى القرار، إلى الصاروخ، ثم إلى الضحايا.
والمفارقة أن التكنولوجيا الحديثة، التي يُفترض أنها تجعل الحرب أكثر دقة، قد تجعل القتل أيضاً أكثر بعداً عن الإنسان الذي يقع ضحية له. فالعامل أمام الشاشة لا يرى بالضرورة الاطفال الذين سيُقتلون في المنزل الذي يظهر أمامه على الخريطة؛ يرى هدفاً وبيانات واحتمالات وأرقاماً. هنا لا تلغي التكنولوجيا السياسة، بل تخفيها خلف التقنية. الموت يصبح رقماً، والرقم يصبح قراراً، والقرار يصبح فعلاً عسكرياً.
وهذه ربما هي أكثر النقاط إثارة للقلق في الفيلم: ليس وجود أفراد يمارسون العنف الوحشي، وإنما وجود منظومة تجعل العنف قابلاً للتنظيم والتكرار والتطبيع. وهو ما يفسر تركيز صانعي الفيلم على النظام نفسه، لا على البحث عن «أفراد أشرار» فقط.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الإبادة لا باعتبارها انفجاراً استثنائياً للعنف منفصلاً عن تاريخ الصراع، وإنما باعتبارها لحظة قصوى تستحق أن تُقرأ في علاقتها ببنية أوسع: الاستعمار، الأرض، السكان، السيطرة، الإزاحة، والعنف.
لا بد من الإشارة إلى أن فيلم «نازا» وحده لا يقدم دليلاً على طبيعة المشروع الصهيوني بأكمله، ولا ينبغي تحميله أكثر مما يستطيع إثباته. كما أن مفهوم «الاستعمار الإحلالي» لا يعني أن كل فعل عسكري يمكن تفسيره آلياً به. لكن الفيلم يقدم مادة مهمة لفهم كيف يمكن للعنف أن يعمل داخل مشروع سياسي يقوم على السيطرة على الأرض وإعادة تشكيل المجال السكاني. وهذا هو المستوى الذي يتجاوز فيه «نازا» حدود الفيلم.
فهو يدخل في صراع أوسع على الرواية: هل ما يحدث في غزة مجرد حرب بين طرفين، وما يصيب المدنيين نتائج مؤسفة لا يمكن تجنبها؟ أم أن علينا أن ننظر أيضاً إلى البنية السياسية والمادية التي تجعل تدمير شروط الحياة نفسها جزءاً من الصراع؟ من هنا نفهم أيضاً الانقسام حول الفيلم.
هناك من يراه اختراقاً مهماً للرواية الإسرائيلية من الداخل، لأن أفراداً عملوا داخل المؤسسة يتحدثون عن آلياتها. وهناك من يخشى أن يؤدي التركيز على «الشاهد الإسرائيلي» إلى إعادة إنتاج فكرة غير عادلة: كأن معاناة الفلسطيني تحتاج إلى صوت إسرائيلي كي تصبح حقيقة. ولكن الأمران يمكن أن يجتمعا. صوت الفلسطيني هو صوت صاحب الأرض والضحية، ولا يحتاج إلى ختم إسرائيلي كي يثبت حقيقة ما عاشه. أما الصوت القادم من داخل المؤسسة الإسرائيلية فتكمن قيمته في كشف ما يحدث داخل البنية التي تنتج العنف. لهذا فإن أهمية «نازا» ليست في أن إسرائيليين قالوا الحقيقة. أهميته في أن بعض الأصوات القادمة من داخل المؤسسة نفسها تكشف الطريق الذي تسلكه الحقيقة قبل أن تتحول إلى موت: من المعلومة إلى الهدف، ومن الهدف إلى الرقم، ومن الرقم إلى القرار، ومن القرار إلى تدمير حياة بشر.
وهنا يصبح سؤال مبيمبي أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث عندما لا تعود السلطة تكتفي بإدارة حياة السكان، بل تصبح قادرة على إدارة موتهم؟ في الحالة الفلسطينية، لا يمكن فصل هذا السؤال عن الأرض والاستعمار والإحلال. وعندها لا يعود «نازا» مجرد فيلم عن غزة، بل يصبح نافذة على سؤال أكبر: كيف يتحول العنف الاستعماري من فعل عسكري إلى بنية مؤسسية وتقنية لإدارة الموت؟
وفي النهاية، ربما تكون المسألة أبسط وأكثر قسوة من كل المفاهيم التي نحاول من خلالها فهمها. خلف كل رقم طفل كان يمكن أن يكبر، وأم كانت تنتظر عودة أبنائها، وبيت كان يعني لأصحابه أكثر من جدرانه، وحياة كاملة جرى اختزالها في رقم داخل منظومة حسابية.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً: كلما تطورت أدوات القتل وأصبحت أكثر دقة وتنظيماً، ازدادت الحاجة إلى استعادة الإنسان الذي تحاول الأرقام إخفاءه. فما تسميه المنظومة «خسائر مدنية» ليس خسارة مجردة. إنه إنسان.
ومن هنا، فإن مقاومة تحويل الموت إلى رقم ليست مجرد مسألة أخلاقية؛ إنها أيضاً رفض لمنطق يجعل حياة شعب قابلة للحساب، وأرضه قابلة للإحلال، وموته قابلاً للإدارة.
وربما لهذا يستحق «نازا» أن يُسمع: ليس لأنه جاء بالحقيقة من إسرائيل، بل لأنه يكشف، من داخل منظومة القوة نفسها، كيف يمكن للإنسان أن يختفي عندما يتحول الموت إلى سياسة.
35 مشاهدة
18 سبتمبر, 2026
91 مشاهدة
18 سبتمبر, 2026
19 مشاهدة
18 سبتمبر, 2026