د. علي ضاهر - مونتريال
في عصرٍ يلهث فيه البعض خلف السخافة كجرو يطارد إطار سيارة مسرعة، شعَّ حدثٌ كوني منير: تايلور سويفت تزوّجت! خبرٌ دوَّى كقنبلة فرح، فاندفع البعض للاحتفال وكأن فستان زفافها سيوقف الحروب، ويشفي المرضى، ويُسقط الإمبراطورية، ويعيد الوعي لمن تبخّرت عقولهم تحت تأثير أغانيها التي "طيّرت ضباناتهم" فخلّفتهم يتمايلون بلا جهاز عصبي.
زفاف وُصف بالأسطوري، وكأن البشرية كانت تنتظره أكثر مما انتظرت اكتشاف النار أو اختراع الماء الساخنة. بذخٌ تفوّق على بذخ الخلافة العباسية في أوج جنونها، يوم كانت الرعية ترقص فوق جثث العمال المدفونة تحت القصر. تايلور، القديسة المليارديرة التي تتلوّى وتُقاسي وهي تفرغ جيوب ملايين المعجبين، وجدت فارس الأحلام الذي سينتشلها من شبح العنوسة. بدا كل شيء جميلا ورومانسيّاً، إلى أن أطلت الرأسمالية الحديثة بوجهها القذر: وجه لا يكتفي ببيع الأحلام، بل يبيع الهواء أيضاً، ثم يقنعك بأنك إن لم تشتره فأنت، لا تشبهنا، ومتخلّف عن ركب الحضارة.
نعم، الهواء نفسه للبيع. فما إن طبع العريس قبلة على خد تايلور، حتى انبثقت فكرة شيطانية: بيع قوارير هواء "مستنشق" من الحفل. فامتلأت مواقع التواصل بعروض تزعم بيع أكسجين دخل القاعة ببطاقة درجة أولى ثم خرج منها وهو يحمل توقيع تايلور سويفت وشهادة منشأ، فاكتسب قيمة مضافة لملامستها. قيمة تجعل المشتري يفتح القارورة، يغمض عينيه، ويتنهد قائلاً: الله، الله على نفسك العطر يا تاي تاي!!! ولو طال الأمر قليلاً، لظهرت نسخة "ديلوكس" من الهواء، وأخرى "بلاتينية"، وثالثة "عضوية" لم تختلط بأنفاس عامة الناس، ورابعة "خالصة من ثاني أكسيد الكادحين".
لكن الأمر لم يتوقف عند الهواء. فما إن انفض الحفل وتفرّق المعجبون وخلّف المدعوون الأغنياء وراءهم أوساخهم، حتى انبثقت فكرة لا تخطر على بال إبليس بمارجه الناري: جمع نفايات الزفاف من أعقاب سجائر، أغطية زجاجات، قشّات بلاستيكية ملوّثة باللعاب، محارم ورقية ملطخة بما هبّ ودبّ، ووضعها داخل مكعبات زجاجية تُباع بخمسة وعشرين دولاراً للقطعة. والمفارقة أن هذه العروض وجدت من يفتح محفظته. أما المأساة فكانت نفاد الدفعة الأولى بلمح البصر، بعد أن تدافع قطيع من البشر لشراء تلك الفضلات!
لكي نكون منصفين، ليس من العدل أن نحمّل تايلور وحدها وزر هذه المهزلة. فالعالم يفيض بـ"سماسرة التفاهة". فقارورة الهواء التي قيل إنها استُنشقت من قبل براد بيت وأنجلينا جولي بيعت، مثل رغيف الخبز السخن، بمئات الدولارات، وكيس الهواء من حفلة كانييه ويست شهد مزايدات خيالية، وخصلات شعر جاستن بيبر عُرضت في مزاد وكأنها مقتنيات أثرية من عهد توت عنخ آمون، وعلكة بريتني سبيرز المستعملة بيعت بمبالغ باهظة كأنها "من وسلوى" جُلبت من صحراء التيه. إذ يبدو أن البشرية انتقلت من جمع الآثار التاريخية إلى جمع آثار اللعاب!
هنا يتجلى ما وصفه الكندي آلان دونو: الشهرة تمنح القيمة لما لا قيمة له. في الماضي كان الناس يبحثون عن الذهب لندرته، ثم اقتنوا اللوحات الفنية لجمالها، أما اليوم فقد أصبح بعضهم يشتري النفايات لأن ماكينة التسويق أقنعته بأنها ليست نفايات، بل "تجربة حياتية استثنائية". لم تعد القيمة في الشيء نفسه، بل في الأسطورة التي نُسجت حوله. فالهواء يبقى هواءً، والقمامة تبقى قمامة، لكن النيو ليبرالية لا تبيع المنتجات بقدر ما تبيع القصص والأوهام. لقد أصبح الفراغ سلعة، والوهم عملة، وتحول غياب الوعي إلى استثمار مربح. ويبدو أن النيو ليبرالية اكتشفت أن إنتاج الأوهام أقل كلفة من إنتاج البضائع، وأكثر ربحاً: فالمصنع يحتاج إلى فولاذ وآلات وعمال، أما الوهم فلا يحتاج إلا إلى مشهور، وهاتف ذكي، وجيش من المؤثرين، وقطيع مستعد للدفع!
هكذا انتقل الاقتصاد من صناعة الأشياء إلى صناعة الرغبات، ثم إلى صناعة الحماقات. ولن يطول الزمن حتى نرى "ظل تايلور سويفت" معروضاً في علبة فاخرة بإصدارات محدودة، أو "لحظة صمتها قبل أن تقول نعم" محفوظة في قارورة فاخرة، أو "الفراغ الذي تركته بعد مغادرتها القاعة" يباع لعشاق النسخ الأصلية. وربما سيظهر خبير يشرح لنا، بكل جدية علمية، أن الهواء الموجود داخل القارورة يحتوي على نسبة مركزة من جزيئات الرومانسية! ولا تستغربوا إن ظهرت شركات تأمين ضد تقليد الهواء الأصلي، أو مختبرات تصدر شهادات تثبت أن هذه القمامة أصلية وليست مقلدة، كما يحدث اليوم مع اللوحات الفنية والتحف الأثرية. وحينها سيجلس أحد الخبراء على شاشة التلفزيون ليحذر المواطنين من انتشار "النفايات المزوّرة" في الأسواق! هذه ليست نكتة، بل صورة مكثفة عن نظام اقتصادي بات يتغذى على الابتذال، ويتاجر بالفراغ، ويستثمر في الوهم، حتى لم يعد بعض الناس يبحثون عن الجوهر، بل عن الحكاية التي تُروى لهم!
كان الناس قديماً يشترون الشيء ليستفيدوا منه، ثم أصبحوا يشترونه ليتباهوا به، أما اليوم فقد وصلنا إلى مرحلة يشترون فيها ما لا شيء فيه أصلاً، ثم يتباهون بأنهم "لحقوا حالهم" وحصلوا عليه قبل نفاد الكمية. والمثل الشعبي يقول: رزق الهبل على المجانين. لكن النيو ليبرالية طوّرته وأضافت إليه بابا جديداً: فلم يعد الهَبَل رزقاً للمجانين وحدهم، بل أصبح صناعةً، وسوقاً، واستراتيجيةً تسويقيةً، ونموذجاً اقتصادياً يدر المليارات. وربما لن يطول الوقت قبل أن تدرّس كليات إدارة الأعمال مقرراً جديداً بعنوان: كيف تبيع اللاشيء لمن لا يملك في رأسه شيئا!
في النهاية، يخرج علينا من يحاول إقناعنا بأن نظاماً يُنتج مثل هذه الظواهر هو ذروة التقدم الإنساني. والحقيقة أنه ليس نظاماً يصنع الثروة بقدر ما يصنع الوهم، ثم يبيع الوهم لمن أقنعهم بأن الفراغ كنز، وأن القمامة تذكار، وأن الهواء تحفة فنية. وهكذا يبقى هذا المثل الشعبي "رزق الهبل على المجانين" أكثر دقة من آلاف كتب الاقتصاد.
في عصرٍ يلهث فيه البعض خلف السخافة كجرو يطارد إطار سيارة مسرعة، شعَّ حدثٌ كوني منير: تايلور سويفت تزوّجت! خبرٌ دوَّى كقنبلة فرح، فاندفع البعض للاحتفال وكأن فستان زفافها سيوقف الحروب، ويشفي المرضى، ويُسقط الإمبراطورية، ويعيد الوعي لمن تبخّرت عقولهم تحت تأثير أغانيها التي "طيّرت ضباناتهم" فخلّفتهم يتمايلون بلا جهاز عصبي.
زفاف وُصف بالأسطوري، وكأن البشرية كانت تنتظره أكثر مما انتظرت اكتشاف النار أو اختراع الماء الساخنة. بذخٌ تفوّق على بذخ الخلافة العباسية في أوج جنونها، يوم كانت الرعية ترقص فوق جثث العمال المدفونة تحت القصر. تايلور، القديسة المليارديرة التي تتلوّى وتُقاسي وهي تفرغ جيوب ملايين المعجبين، وجدت فارس الأحلام الذي سينتشلها من شبح العنوسة. بدا كل شيء جميلا ورومانسيّاً، إلى أن أطلت الرأسمالية الحديثة بوجهها القذر: وجه لا يكتفي ببيع الأحلام، بل يبيع الهواء أيضاً، ثم يقنعك بأنك إن لم تشتره فأنت، لا تشبهنا، ومتخلّف عن ركب الحضارة.
نعم، الهواء نفسه للبيع. فما إن طبع العريس قبلة على خد تايلور، حتى انبثقت فكرة شيطانية: بيع قوارير هواء "مستنشق" من الحفل. فامتلأت مواقع التواصل بعروض تزعم بيع أكسجين دخل القاعة ببطاقة درجة أولى ثم خرج منها وهو يحمل توقيع تايلور سويفت وشهادة منشأ، فاكتسب قيمة مضافة لملامستها. قيمة تجعل المشتري يفتح القارورة، يغمض عينيه، ويتنهد قائلاً: الله، الله على نفسك العطر يا تاي تاي!!! ولو طال الأمر قليلاً، لظهرت نسخة "ديلوكس" من الهواء، وأخرى "بلاتينية"، وثالثة "عضوية" لم تختلط بأنفاس عامة الناس، ورابعة "خالصة من ثاني أكسيد الكادحين".
لكن الأمر لم يتوقف عند الهواء. فما إن انفض الحفل وتفرّق المعجبون وخلّف المدعوون الأغنياء وراءهم أوساخهم، حتى انبثقت فكرة لا تخطر على بال إبليس بمارجه الناري: جمع نفايات الزفاف من أعقاب سجائر، أغطية زجاجات، قشّات بلاستيكية ملوّثة باللعاب، محارم ورقية ملطخة بما هبّ ودبّ، ووضعها داخل مكعبات زجاجية تُباع بخمسة وعشرين دولاراً للقطعة. والمفارقة أن هذه العروض وجدت من يفتح محفظته. أما المأساة فكانت نفاد الدفعة الأولى بلمح البصر، بعد أن تدافع قطيع من البشر لشراء تلك الفضلات!
لكي نكون منصفين، ليس من العدل أن نحمّل تايلور وحدها وزر هذه المهزلة. فالعالم يفيض بـ"سماسرة التفاهة". فقارورة الهواء التي قيل إنها استُنشقت من قبل براد بيت وأنجلينا جولي بيعت، مثل رغيف الخبز السخن، بمئات الدولارات، وكيس الهواء من حفلة كانييه ويست شهد مزايدات خيالية، وخصلات شعر جاستن بيبر عُرضت في مزاد وكأنها مقتنيات أثرية من عهد توت عنخ آمون، وعلكة بريتني سبيرز المستعملة بيعت بمبالغ باهظة كأنها "من وسلوى" جُلبت من صحراء التيه. إذ يبدو أن البشرية انتقلت من جمع الآثار التاريخية إلى جمع آثار اللعاب!
هنا يتجلى ما وصفه الكندي آلان دونو: الشهرة تمنح القيمة لما لا قيمة له. في الماضي كان الناس يبحثون عن الذهب لندرته، ثم اقتنوا اللوحات الفنية لجمالها، أما اليوم فقد أصبح بعضهم يشتري النفايات لأن ماكينة التسويق أقنعته بأنها ليست نفايات، بل "تجربة حياتية استثنائية". لم تعد القيمة في الشيء نفسه، بل في الأسطورة التي نُسجت حوله. فالهواء يبقى هواءً، والقمامة تبقى قمامة، لكن النيو ليبرالية لا تبيع المنتجات بقدر ما تبيع القصص والأوهام. لقد أصبح الفراغ سلعة، والوهم عملة، وتحول غياب الوعي إلى استثمار مربح. ويبدو أن النيو ليبرالية اكتشفت أن إنتاج الأوهام أقل كلفة من إنتاج البضائع، وأكثر ربحاً: فالمصنع يحتاج إلى فولاذ وآلات وعمال، أما الوهم فلا يحتاج إلا إلى مشهور، وهاتف ذكي، وجيش من المؤثرين، وقطيع مستعد للدفع!
هكذا انتقل الاقتصاد من صناعة الأشياء إلى صناعة الرغبات، ثم إلى صناعة الحماقات. ولن يطول الزمن حتى نرى "ظل تايلور سويفت" معروضاً في علبة فاخرة بإصدارات محدودة، أو "لحظة صمتها قبل أن تقول نعم" محفوظة في قارورة فاخرة، أو "الفراغ الذي تركته بعد مغادرتها القاعة" يباع لعشاق النسخ الأصلية. وربما سيظهر خبير يشرح لنا، بكل جدية علمية، أن الهواء الموجود داخل القارورة يحتوي على نسبة مركزة من جزيئات الرومانسية! ولا تستغربوا إن ظهرت شركات تأمين ضد تقليد الهواء الأصلي، أو مختبرات تصدر شهادات تثبت أن هذه القمامة أصلية وليست مقلدة، كما يحدث اليوم مع اللوحات الفنية والتحف الأثرية. وحينها سيجلس أحد الخبراء على شاشة التلفزيون ليحذر المواطنين من انتشار "النفايات المزوّرة" في الأسواق! هذه ليست نكتة، بل صورة مكثفة عن نظام اقتصادي بات يتغذى على الابتذال، ويتاجر بالفراغ، ويستثمر في الوهم، حتى لم يعد بعض الناس يبحثون عن الجوهر، بل عن الحكاية التي تُروى لهم!
كان الناس قديماً يشترون الشيء ليستفيدوا منه، ثم أصبحوا يشترونه ليتباهوا به، أما اليوم فقد وصلنا إلى مرحلة يشترون فيها ما لا شيء فيه أصلاً، ثم يتباهون بأنهم "لحقوا حالهم" وحصلوا عليه قبل نفاد الكمية. والمثل الشعبي يقول: رزق الهبل على المجانين. لكن النيو ليبرالية طوّرته وأضافت إليه بابا جديداً: فلم يعد الهَبَل رزقاً للمجانين وحدهم، بل أصبح صناعةً، وسوقاً، واستراتيجيةً تسويقيةً، ونموذجاً اقتصادياً يدر المليارات. وربما لن يطول الوقت قبل أن تدرّس كليات إدارة الأعمال مقرراً جديداً بعنوان: كيف تبيع اللاشيء لمن لا يملك في رأسه شيئا!
في النهاية، يخرج علينا من يحاول إقناعنا بأن نظاماً يُنتج مثل هذه الظواهر هو ذروة التقدم الإنساني. والحقيقة أنه ليس نظاماً يصنع الثروة بقدر ما يصنع الوهم، ثم يبيع الوهم لمن أقنعهم بأن الفراغ كنز، وأن القمامة تذكار، وأن الهواء تحفة فنية. وهكذا يبقى هذا المثل الشعبي "رزق الهبل على المجانين" أكثر دقة من آلاف كتب الاقتصاد.
115 مشاهدة
14 يوليو, 2026
43 مشاهدة
14 يوليو, 2026
102 مشاهدة
12 يوليو, 2026