Sadaonline

يوم ثقافي للاحتفاء باللغة العربية في مونتريال: اللغة العربية ليست مجرد أداة تواصل، بل هي هوية وانتماء

حسام مقبل: نحن كعرب نعيش تحديات حقيقية في المهجر

 

مونتريال- دارين حوماني

تواجه اللغة العربية تحديات متزايدة تشير إلى وجود خطر يهدد حضورها، من أبرزها تراجع استخدامها لدى الأجيال الناشئة، وهيمنة اللغات الأجنبية، ولا سيما الإنكليزية والفرنسية، إضافة إلى اتساع الفجوة بين الفصحى واللهجات العامية، وكثرة الأخطاء النحوية واستخدام المفردات الأجنبية، الأمر الذي يؤثر في وظائف اللغة وقدرتها على مواكبة العصر، ويضعف ارتباطها بالهوية الثقافية. وفي مواجهة هذه التحديات، تسعى مراكز دراسات عربية متخصصة إلى تجديد اللغة العربية والحد من تهميشها.

وتُعد هذه الإشكالية من القضايا الأساسية التي تهمّ الجالية العربية في كندا، ومن هذا المنطلق نظّمت "جمعية الاندماج وخدمة المهاجرين في كندا" و"معرض مونتريال للكتاب العربي" يومًا ثقافيًا للاحتفاء باللغة العربية تحت عنوان "لغتنا الجميلة"، وذلك في 11 كانون الثاني/يناير 2026، بحضور الملحق الثقافي في السفارة المصرية بمونتريال، أحمد جابر، إلى جانب مشاركة واسعة من أبناء الجالية العربية والمهتمين باللغة العربية والثقافة في مدينة مونتريال.

وجاء في بيان الفعالية:

"نحتفل بلغتنا لا بوصفها تراثًا محفوظًا فحسب، بل ككائنٍ حيٍّ يتجدّد في الفكر، ويكبر في الشعر، ويُزرَع حبًّا في قلوب أطفالنا. وضمن هذا الاحتفاء، ندعوكم إلى يوم ثقافي عربي متكامل يجمع بين الفكر، والطفولة، والشعر، ويمنح العربية فضاءها الطبيعي".

وتضمّنت الفعالية معرضًا للكتاب العربي، إلى جانب ركنٍ خاص بالأطفال تحت عنوان "أحب لغتي"، شهد مسابقات وألعابًا تعليمية، وقراءات قصصية وتلخيصها بأسلوب تفاعلي ممتع، أشرفت عليه السيدة علياء شافعي محمد، وتم تقديم جوائز تشجيعية للأطفال المشاركين.

كما شملت الفعالية ندوة فكرية بعنوان "تحديات اللغة العربية في المهجر"، شارك فيها كل من الأساتذة حسان عبد الله، وليد حديد، وياسر وتد، وقدّمتها الدكتورة وفاء مروة. واختُتم اليوم بأمسية شعرية شارك فيها الشعراء: نورة أكر، ناظم عساف، جان كرم، ثراء الجدي، إيهاب لطيف، وأسيف جواد، وأدارها الشاعر سعيد الحاج.

ندوة "تحديات اللغة العربية في المهجر"

أدارت الدكتورة وفاء مروة ندوة "تحديات اللغة العربية في المهجر" وافتتحت الندوة مؤكدة أن "اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي هوية وذاكرة حضارية للشعوب". ولفتت إلى أن اللغة العربية باتت من أكثر اللغات انتشارًا في العالم، لما تحمله من إرث ديني وأدبي وعلمي، مشددة على أن تعليمها ونشرها أصبح مسؤولية ناطقيها أينما كانوا.

وأشارت مروة، من خلال تجربتها الطويلة في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، إلى التحديات التي تواجهها اللغة في المهجر، ومنها إهمال الجاليات العربية للغة الفصحى، وسيطرة العامية على الكتابة والنطق، وتفاوت المستويات التعليمية، إضافة إلى قلة الساعات المخصصة لتعليم العربية في المدارس الأجنبية، مما يحد من قدرة التلميذ على الإتقان. كما نبهت إلى أن بعض المدارس الخاصة تمنح وقتًا أطول للغة، لكنها لا تركز على تعليمها بشكل فعلي، مفضلة مراعاة رغبات التلاميذ بدل تمكين الأستاذ من نقل خبرته اللغوية.

وتحدث الأستاذ حسان عبدالله عن أكبر التحديات التي تواجه اللغة العربية في المهجر، مؤكدًا أن سيطرة اللغات الأجنبية مثل الفرنسية والإنجليزية داخل البيوت والمجتمع تؤثر على الأطفال والشباب، مشيرًا إلى أن حتى بعض أفراد الطبقة المثقفة قد لا يملكون القدرة على الكتابة والنحو الصحيح. ولفت عبدالله إلى أن الأخطاء الإملائية والنحوية باتت شائعة، مثل استخدام "إنشاء الله" بدل "إن شاء الله"، أو أخطاء الأفعال المعتلة وواو الجماعة، ما يؤدي إلى تشويه اللغة العربية.

وحول الحلول، أكد عبدالله أهمية التعاون بين المدارس والمعلمين وأولياء الأمور، واقترح إنشاء معاهد خارج الدوام الرسمي لتعليم اللغة العربية لساعتين أو ثلاث مساءً، بما يمنح الطلاب فرصة أفضل لإتقان اللغة. وأوضح أن المشكلة ليست ضعف التلميذ فقط، بل عوامل متعددة تشمل المناهج، وضغط الدوام، وطرق التدريس التقليدية، داعيًا إلى تجديد أساليب التعليم ومراجعة المناهج لمواجهة تحديات اللغة العربية بشكل فعّال.

وشارك الدكتور وليد حديد، في مداخلته، تجربته الشخصية كمهندس وأب وجَدّ، مؤكدًا أن تجربته مع اللغة العربية لم تكن أكاديمية بالدرجة الأولى، بل اعتمد على القراءة والممارسة الذاتية. وأوضح أن تعلم العربية في المهجر يشكّل تحديًا كبيرًا بسبب ازدواجية اللغة بين العامية والفصحى، وضعف الممارسة اليومية، وعدم توفر الوقت أو الخبرة لدى الأهل لدعم أبنائهم. وأضاف أن الندوات مثل هذه توفر فرصة أساسية لتعزيز اللغة والهوية، معتبرًا أن تعليم العربية يعزز الانتماء للثقافة الأصلية والوطن العربي، ويفتح فرصًا مستقبلية للعمل والتواصل.

واقترح حديد إنشاء معاهد عربية متخصصة خارج الدوام الرسمي، لتعليم اللغة العربية بطريقة مركزة وفعّالة، بدل الاكتفاء بساعات قليلة في مدارس السبت أو خلال اليوم الدراسي العادي. وشدد على أهمية تجديد أساليب التدريس، وتقديم برامج وأنشطة يومية تشجع الأطفال على التعبير والكتابة بالعربية، مع مراعاة الفروق بين مستويات المتعلمين. وأكد أن الحل يحتاج أيضًا إلى دعم من المؤسسات والبلدان العربية، ومشاركة الشباب الذين يؤمنون بالقضية بلا مصالح شخصية.

ووجّه حديد رسالة واضحة للمعلمين والإدارات التربوية: أن التعليم يحتاج إلى حب اللغة والعاطفة والالتزام بالهوية الثقافية. وحث المعلمين على استخدام العربية الفصحى في التدريس والتواصل مع الطلاب، وعدم الاقتصار على العامية، لضمان فهم جميع المتعلمين من خلفيات عربية مختلفة. وأكد أن القيادة التربوية، بما في ذلك المديرون والمشرفون، يجب أن يتحدثوا بلغة سليمة، ليكونوا قدوة لغوية للطلاب، مؤكدًا أن العاطفة والانتماء هما أساس نجاح التعليم والحفاظ على اللغة في المهجر.

وفي مداخلته في الندوة، أكد الخطاط ياسر وتد أن التحديات الكبرى التي تواجه تعليم اللغة العربية للأطفال في المهجر تتعلق بغياب البيئة اللغوية الدائمة، وضعف الممارسة اليومية، واضطرار الطفل لاستخدام لغات أخرى مثل الفرنسية أو الإنجليزية في الحياة اليومية. وأوضح أن ذلك يؤدي أحيانًا إلى شعور الطفل بالدونية تجاه لغته الأم، ويخلق صعوبة في التعبير والفهم بالعربية، خاصة عندما لا يجد الدعم الكافي في المنزل أو المدرسة.

وأشار وتد إلى أن الحل يكمن في وجود معلمين مؤهلين قادرين على بناء جسر تواصل فعّال مع الطلاب، وإدماج اللغة العربية في الحياة اليومية للطفل بطريقة متوازنة بين النطق والكتابة والقراءة. كما شدد على أهمية استخدام أساليب تعليم بصرية وحسية، وأن تكون اللغة العربية جزءًا من تجربة تعليمية ممتعة وملموسة، وليس مجرد واجب مدرسي، معتبرًا أن المعلم الجيد هو الأساس في نجاح هذه العملية.

وأضاف أن دور الأهل أساسي في تعزيز هوية الطفل اللغوية، من خلال دعم التعلم خارج الصف الدراسي، والمتابعة المباشرة، وممارسة اللغة في الحياة اليومية، لأن أي قصور في هذه الجوانب قد يؤدي إلى فقدان الطفل لارتباطه بلغته الأم وهويته الثقافية.

بعد انتهاء المداخلات، فتح الحضور باب النقاش، حيث شارك العديد من الأهالي والمعلمين والمهتمين بالثقافة العربية بآرائهم وتجاربهم الشخصية في تعليم اللغة العربية في المهجر. وتنوّعت المشاركات بين طرح اقتراحات عملية لتحسين طرق التدريس، ومبادرات لإقامة معاهد عربية أو برامج مسائية، وتعزيز دور الأهل في البيت، وأهمية خلق بيئة لغوية مستمرة للأطفال. كما تم تبادل الأفكار حول توظيف التكنولوجيا والألعاب التعليمية لدعم اللغة العربية، ومواجهة صعوبات ازدواجية اللغة بين الفصحى والعامية.

وأكد المشاركون خلال النقاش أن نجاح تعليم العربية في المهجر يعتمد على تعاون المجتمع كله من أهالي، معلمين، مدارس، ومؤسسات ثقافية لتوفير بيئة محفزة ومستدامة للطفل. وأبرزوا أن مثل هذه الندوات تمثل فرصة مهمة لتبادل الخبرات وبناء رؤية مشتركة لحماية اللغة العربية وتعزيز الهوية الثقافية لأبناء الجالية.

بعد انتهاء الندوة، عُقدت الأمسية الشعرية حيث ألقى الشعراء قصائدهم باللغات الفصحى والمحكية، إضافة إلى شعر الزجل، وقد رافق الشعراء العازف عصام نجم بموسيقى على العود. 

 

وقد أجرى موقع صدى أونلاين سلسلة لقاءات خلال الفعالية:

أحمد جابر: الكتب العربية كانت مرجعًا أساسيًا للدول الأوروبية والغربية

شارك الملحق الثقافي في القنصلية المصرية بمونتريال، السيد أحمد جابر في الفعالية، وأكّد، في حديثه لصدى أونلاين، أن هذا الحضور ليس مجرّد مشاركة رمزية، بل يندرج ضمن صميم عمل المكتب الثقافي ورسالتِه الأساسية.

وأوضح جابر أن نشر الثقافة، وفي مقدمتها اللغة العربية، يُعدّ من أهم مهام المكتب الثقافي، معتبرًا أن "اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي هوية وجسر يربط الإنسان بجذوره". وأضاف أن العربية هي اللغة الأم للجاليات العربية هنا، ما يجعل الحفاظ عليها مسؤولية جماعية.

وأشار إلى أن مناقشة تحديات اللغة العربية في المهجر، والعمل على تجاوزها من خلال الندوات وورش العمل، يتماشى تمامًا مع توجّهات المكتب الثقافي. ولفت إلى أن الدولة المصرية تولي اهتمامًا خاصًا بنشر اللغة العربية والثقافة المصرية، لما لذلك من دور أساسي في تعزيز ارتباط أجيال المهاجرين، من الجيل الأول إلى الجيل الثاني وما بعده، بالوطن الأم.

وبيّن أن هذا الارتباط "يبدأ باللغة، ثم يمتد ليشمل الثقافة، والعادات، والتقاليد، والسلوكيات"، مؤكدًا أن "اللغة هي مفتاح الانتماء، وبدونها يصبح الحفاظ على هذا الارتباط أو الإحساس بالولاء الحقيقي للوطن أمرًا صعبًا".

وفي سياق متصل، تحدّث جابر عن تزايد الأسئلة حول المبادرات الموجّهة للجيل الجديد، في ظل تراجع استخدام اللغة العربية داخل البيوت. وأوضح أن المكتب الثقافي، بحكم كونه مكتبًا ثقافيًا وتعليميًا في آنٍ واحد، يتلقى في الآونة الأخيرة عددًا متزايدًا من الطلبات من مقيمين في كندا يرغبون بالدراسة في مجالات مختلفة، مثل الطب والهندسة وغيرها، مشيرًا إلى وجود إقبال ملحوظ على الجامعات المصرية.

غير أنه شدّد على أن اللغة العربية تبقى عاملًا حاسمًا في هذا المسار، موضحًا أنه "رغم وجود برامج دراسية باللغة الإنكليزية أو الفرنسية، إلا أن الطالب لا يستطيع الاندماج في المجتمع الجامعي والحياة اليومية دون إتقان اللغة العربية". وأضاف أن ضعف اللغة قد يشكّل أحيانًا حاجزًا نفسيًا أو عمليًا يمنع بعض الشباب من اتخاذ قرار الدراسة في مصر. ومن هنا، اعتبر أن المبادرات والفعاليات التي تُعنى بتعليم الأجيال الصغيرة اللغة العربية تُعدّ بالغة الأهمية، لأنها تسهّل الكثير من الأمور على مستوى الأفراد والدولة، وتندرج ضمن الدور الأساسي لوزارة الخارجية المصرية ووزارة التعليم العالي في تعزيز ارتباط أبناء الجاليات المصرية في الخارج بوطنهم الأم.

وعن التحديات، أقرّ جابر بوجود أعباء وصعوبات، لكنه أكّد أن العمل مستمر لمحاولة القيام بالدور الثقافي والتعليمي على أكمل وجه. وفي هذا الإطار، أوضح أنه علينا تنظيم فعاليات تُبرز الثقافة العربية بمختلف جوانبها، من المواقع السياحية إلى العادات والتقاليد، وصولًا إلى المأكولات، مؤكدًا أن مصر والدول العربية الأخرى، تمتلك كنوزًا ثقافية وتراثية هائلة، كونها من أقدم دول العالم.

وأضاف: "من المهم أن يدرك أبناؤنا في المهجر أنهم ينتمون إلى دول غنية ثقافيًا وفكريًا وأدبيًا، خلافًا لبعض الصور النمطية التي قد تصوّر هذه الدول على أنها دول نامية تفتقر إلى الإرث الحضاري. والحقيقة هي العكس تمامًا، فتراثنا الثقافي في كثير من الأحيان يفوق تراث دول متقدمة حديثة النشأة".

كما ذكّر جابر أن "الحضارة العربية، كانت في فترة من الفترات، مصدرًا رئيسيًا للعلوم والمعرفة، وكانت الكتب العربية مرجعًا أساسيًا للدول الأوروبية والغربية. صحيح أن الزمن تغيّر، لكن هذه الحقيقة التاريخية يجب أن تبقى حاضرة في وعي شبابنا. فاللغة، كما ذكرت، ليست مجرد أداة تواصل، بل هي هوية وانتماء".

وفي ختام حديثه، وجّه أحمد جابر رسالة إلى الشباب العربي في كندا، "أقول لهم أن يفتخروا بهويتهم وأصولهم وبالبلدان التي ينتمون إليها، وأن يعتزّوا بلغتهم وثقافتهم، فهي مصدر قوة لا ضعف".

حسام مقبل: نعيش تحديات حقيقية في المهجر، لأن اللغتين الأساسيتين هنا هما الفرنسية والإنكليزية

قي مقابلتنا معه، أوضح الكاتب والصحافي حسام مقبل أن هذه المبادرة تأتي ضمن جهود جمعية الاندماج وخدمة المهاجرين في كندا (SPDI  و"معرض مونتريال للكتاب العربي" لدعم اللغة العربية في المهجر، لا سيما لدى أبناء الجيلين الثاني والثالث. وقال: "نحن لا نحتفل باللغة العربية ليوم واحد فقط، بل نحاول أن نخلق علاقة مستمرة بينها وبين الأطفال، وأن نساعد الأسر على تشجيع أبنائها على القراءة والتفاعل مع العربية".

وأضاف أن ركن الأطفال صُمّم ليكون مدخلًا طبيعيًا إلى اللغة، موضحًا: "حرصنا على أن تكون الأنشطة بسيطة ومحببة، من تلوين الحروف، إلى قراءة قصص قصيرة، وتكوين كلمات. وفي النهاية يحصل الطفل على جائزة رمزية، لأن الهدف هو خلق رابط إيجابي بينه وبين اللغة العربية".

وعن ندوة اللغة العربية في المهجر، قال مقبل: "نحن كعرب نعيش تحديات حقيقية في المهجر، لأن اللغتين الأساسيتين هنا هما الفرنسية والإنكليزية. الندوة ناقشت هذه التحديات، خاصة المعاناة التي تواجهها الأسر مع أبنائها في تعلّم العربية، وكيف يمكننا دعم لغتنا دون أن نشعر الأطفال بأنها عبء".

وأشار مقبل إلى أن الإقبال على معرض الكتاب العربي المرافق للفعالية شكّل مؤشرًا مهمًا، قائلاً:

"رغم أن المعرض صغير، إلا أن الناس كانت تشتري كتبًا عربية، للكبار وللأطفال. هذا دليل واضح على أن الاهتمام موجود ويزداد. شخصيًا تصلني رسائل كثيرة تسأل عن أماكن شراء الكتب العربية، وهذا يعكس حاجة حقيقية داخل الجالية".

وعن تأثير هذه الفعاليات على الأطفال، قال: "في البداية يكون الطفل مترددًا، لكن بعد دقائق يندمج، يبدأ بالرسم والقراءة والمشاركة. ومع الوقت يختفي الخجل، ويصبح جزءًا من الفعالية، خاصة عندما يرى أطفالًا آخرين من حوله".

وعن دار نشر "الدكان" التي افتتحها خلال العام الفائت، أشار مقبل إلى وجود عدد كبير من المبدعين في كندا والذين يرغبون بنشر كتبهم، وقال: "بصراحة، ودون مبالغة، كانت ردود الفعل إيجابية جدًا. ليس فقط من حيث الإقبال، بل من حيث سعادة الناس بوجود دار نشر عربية في مونتريال، بل وفي كندا عمومًا.

هناك كتّاب ومبدعون كثر يرغبون في نشر أعمالهم، سواء شعرًا أو قصصًا أو روايات. وقد نشرت بالفعل أربعة كتب لمبدعين مقيمين في كندا خلال فترة قصيرة، وهذا دليل واضح على وجود طاقات إبداعية ورغبة حقيقية في النشر.

كثير من الكتّاب كانوا مترددين سابقًا بسبب صعوبة التوزيع، إذ يشعرون أن كندا بعيدة عن العالم العربي. وجود دار نشر عربية هنا خفّف من هذه المخاوف"، وأضاف: "أقوم حاليًا بالتوزيع في مصر وكندا، ضمن الإمكانيات المتاحة. ولديّ أمل في توسيع التوزيع مستقبلًا ليشمل دولًا عربية أخرى. وقد شاركت الكتب التي نشرتها في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وهو إنجاز مهم، إذ إن مؤلفين مقيمين في كندا أصبحت كتبهم معروضة في أكبر معرض كتاب عربي".

وختم مقبل بالإشارة إلى أن التحدي الأكبر يبقى ماديًا، قائلًا "أكبر عقبة نواجهها هي التحديات الاقتصادية. مثل هذه الفعاليات تحتاج إلى دعم مالي مستمر، ورغم ذلك نحاول الاستمرار اعتمادًا على المبادرات الفردية والدعم المعنوي".

علياء شافعي محمد: الاحتفاء باللغة العربية ليس فعالية رمزية، بل مشروعًا عمليًا

في حديثها لنا عن أهداف الفعالية، شدّدت مديرة "جمعية الاندماج وخدمة المهاجرين في كندا" السيدة علياء شافعي محمد على أن هذا الاحتفاء باللغة العربية ليس فعالية رمزية، بل مشروعًا عمليًا موجّهًا بالدرجة الأولى إلى الأطفال. وقالت شافعي:

"نحن كجمعية نعمل على دعم الثقافة وتنمية اللغة العربية، وكان من الطبيعي أن نحتفل باليوم العالمي للغة العربية، لكننا رأينا أن الأطفال يجب أن يكونوا في قلب هذا الاحتفال، لأن اللغة إن لم نزرعها في الطفل مبكرًا، نخسرها لاحقًا".

وأضافت أن برنامج اليوم قُسِّم إلى ثلاثة محاور رئيسية، موضحة:

"الجزء الأول كان مخصصًا للأطفال، من خلال أنشطة تعليمية بسيطة مثل تكوين الكلمات من الحروف العربية، والقراءة، والتعبير عن القصص بأسلوبهم الخاص. الهدف لم يكن التعليم الأكاديمي، بل أن يشعر الطفل بالراحة والثقة وهو يتحدث العربية أمام الآخرين". مشيرة إلى أن هذه الأنشطة تُسهم في تعزيز ثقة الطفل بنفسه، قائلة:

"عندما يقف الطفل ويقرأ أو يحكي قصة بطريقته، فهو لا يتعلم اللغة فقط، بل يتعلم أن يفتخر بها، وأن يشعر أنها جزء من هويته، لا لغة أقل شأنًا من اللغات الأخرى المحيطة به في المهجر".

وأضافت أن الجزء الثاني هو ندوة تناولت تحديات اللغة العربية في المهجر، وكيفية تعامل الجمعيات العربية مع هذه التحديات، ودور المجتمعات والجمعيات الأساسية في توضيح هذه المشكلات والمساهمة في إيجاد حلول لها. والجزء الثالث هو أمسية شعرية.

تقول شافعي: "كل محور يتحدث بطريقته عن جمال اللغة العربية وأهميتها، خاصة للإنسان في المهجر، وضرورة التحدث بها والاعتزاز بها دون خوف. فكثير من الناس يشعرون بالتردد في استخدام العربية بسبب هيمنة اللغات الأجنبية، لكن رسالتنا كانت واضحة: اعتزّ بلغتك وتحدّث بها، فهي جزء من هويتك. ومن هنا جاء تنظيم هذا اليوم احتفالًا باللغة العربية.

وحول تفاعل الجالية مع الفعالية، أوضحت شافعي أن الإقبال فاق التوقعات، مضيفة: "تلقّينا عددًا كبيرًا من طلبات تسجيل الأطفال، ولم نكن نتوقع هذا الحماس. ومع مرور الوقت، لاحظنا أن الإقبال يزداد عامًا بعد عام، بل إن الأهالي باتوا يطالبوننا بتكثيف الأنشطة، رغم أن الجمعية خدمية ولديها التزامات يومية متعددة".

وأكدت أن جميع الأنشطة قُدِّمت مجانًا، مشيرة إلى أن التمويل يعتمد على الجهود الذاتية، وقالت: "الدعم المالي يأتي من أعضاء الجمعية أنفسهم، وأحيانًا من أفراد محبّين للغة العربية يساهمون بهدايا أو جوائز. الجمعية قائمة على أعضائها، وعلى إيمان الناس برسالتها".

ياسر وتد: الخط العربي هو أحد الفنون الإسلامية الأصيلة

شارك الخطاط ياسر وتد في هذا اليوم الثقافي، ولفتت أعماله الفنية بالخط الحاضرين. عن سؤالنا له عن مشاركته وتقييمه لمستوى الإقبال والاهتمام بالخط العربي، أجاب وتد:

"إذا تحدّثنا عن الخط العربي تحديدًا، فهو جزء أساسي من هذه المشاركة. فالخط العربي، بوصفه أحد الفنون الإسلامية الأصيلة، يُعدّ امتدادًا طبيعيًا للغة العربية ويسير معها في خط واحد. ونحن في المهجر نواجه تحديات كبيرة في نشر اللغة العربية، لذلك نلجأ إلى وسائل تعزّز حضورها وتشجّع عليها، ومن أبرز هذه الوسائل الخط العربي".

وأضاف وتد: "الخط العربي هو أحد الفنون الأساسية المرتبطة باللغة العربية. وعندما نمزج الفن بالجمال والجانب العملي الخدمي، المتمثّل في تقوية اللغة العربية، نكون قد حققنا الهدف المنشود. أما من يرغب في التعمّق أكثر والوصول إلى مستوى الاحتراف الفني، فحينها يأتي دور الدراسة الأكاديمية المتخصصة في فنون الخط".

وأشار وتد إلى أنه مقيم في مقاطعة كيبيك منذ نحو سبع سنوات، ويدرّس الخط العربي للصغار والكبار، بدءًا من سن الثامنة وحتى سن التسعين، مضيفًا "منذ وصولي، أقدّم سنويًا أكثر من عشر دورات متنوعة، مخصّصة للأطفال والبالغين على حد سواء".

وعن أهمية مشاركته ولفت الانتباه إلى جماليات الخط العربي في مثل هذه الفعاليات، قال وتد: "لا أستطيع أن أقيّم أهمية مشاركتي شخصيًا، لكن وجود جناح يُعنى بالخط العربي ضمن الفعالية أمر بالغ الأهمية. فالربط البصري لدى الجمهور يلعب دورًا أساسيًا، إذ يسهم في ترسيخ العلاقة بين الفنون المكتوبة بالخط العربي واللغة العربية ذاتها".

وختم قائلًا: "كثيرًا ما أؤكد للمتعلمين لديّ أن الخط هو هوية، وأنه ليس مجرد مهارة أو حرفة فنية، بل جزء أصيل من الهوية العربية. فنحن كعرب نعبّر عن أنفسنا نطقًا وكتابة؛ فالكتابة هي الحرف، والنطق هو اللسان. وعندما نحافظ على الحرف ونعتني بالكتابة، نكون في الحقيقة نحافظ على أساس الخط العربي وعلى جوهر لغتنا وهويتنا".

***

(الصور: موقع صدى أونلاين)