سجى فرحات*
في زمنٍ سابق، كان يمكن لأعمال العنف الجماعي أن تحدث في قدرٍ من الظل والغموض. فكثيرًا ما كانت الحروب والمجازر وعمليات التدمير لا تُعرَف إلا بعد مرور وقت طويل، عندما تتمكّن الشهادات أخيرًا من عبور الحدود أو عندما تكشف الأرشيفات عمّا جرى بالفعل. وقد كانت المسافات الجغرافية وغياب وسائل الاتصال السريعة تحدّ من معرفة المجتمعات ببعض المآسي التي وقعت في أماكن أخرى من العالم.
غير أنّ تقنيات الاتصال في عصرنا قد غيّرت هذا الوضع تغييرًا عميقًا. فقد أوجدت عالمًا تنتقل فيه المعلومات شبهَ آنياً. فالصور والشهادات تعبر الحدود في غضون ثوانٍ. وهكذا لم تعد المآسي المعاصرة تُعاش فقط من قبل أولئك الذين يواجهونها مباشرة، بل أصبحت أيضًا موضع مشاهدة على نطاق عالمي.
ويثير هذا التحوّل سؤالًا أخلاقيًا جديدًا: ماذا يعني أن يكون الإنسان شاهدًا في عالم تصبح فيه أعمال العنف مرئية للجميع؟
أولًا، ينبغي التذكير بأن المسؤولية الأولى تقع دائمًا على عاتق الأطراف المنخرطة مباشرة في أعمال العنف. فالقرارات السياسية أو العسكرية التي تؤدي إلى دمار واسع وخسائر بشرية كبيرة تُحمِّل المسؤولية لمن يتخذون هذه القرارات ولمن ينفذونها. وهذه المسؤولية المباشرة تُشكّل الأساس الذي يقوم عليه القانون الدولي والمبادئ التي تنظّم النزاعات المسلحة.
غير أنّ التفكير في المسؤولية لا يمكن أن يتوقف عند هذا المستوى وحده. فقد أُنشئت المؤسسات الدولية تدريجيًا للحد من أشكال العنف القصوى ولحماية السكان المدنيين عندما تُتَجاوَز بعض الخطوط الحمراء. وعندما يتبيّن أن هذه المؤسسات عاجزة عن التحرك بفعالية أو أنها تتأخر في التدخل أمام حالات عنف جسيمة، يصبح من المشروع التساؤل عن دورها وعن مسؤوليتها.
لكن هناك أيضًا بُعدًا ثالثًا أكثر انتشارًا يميّز عصرنا، وهو المسؤولية المرتبطة بكون مجتمعات العالم بأسره أصبحت شاهدة على هذه الأحداث. ففي عالم متصل، يصبح من الصعب على نحو متزايد التذرّع بالجهل. فالمعلومات تنتشر، والصور تشهد، والأحداث تُرصد تقريبًا في الزمن الحقيقي.
صحيح أنّ الأفراد الذين يشاهدون هذه الأحداث من بعيد لا يتحملون المسؤولية نفسها التي يتحملها الفاعلون المنخرطون مباشرة فيها. غير أنّ الفلسفة الأخلاقية ذكّرت منذ زمن طويل بأن رؤية الظلم تُنشئ بالفعل علاقة أخلاقية معه. فالشاهد لا يستطيع أن يكون خارج ما يراه تمامًا، لأن الاعتراف بوجود ظلم يعني ضمنًا الإقرار بأنه لا ينبغي قبوله.
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما ننظر إلى آثار السوابق التاريخية. فالعنف الشديد لا يظهر دائمًا بوصفه ظاهرة معزولة. وغالبًا ما يندرج ضمن ديناميات تُزاح فيها تدريجيًا بعض الحدود الأخلاقية أو القانونية. فعندما يحدث فعل كان يُعدّ في السابق غير قابل للتصور دون أن يواجه رد فعل يُذكر، فإنه قد يغيّر تصورات ما هو ممكن أو مقبول في النظام الدولي.
وتُجسّد الأحداث الأخيرة التي وقعت في لبنان هذه الحقيقة بصورة ملموسة. ففي الثامن من نيسان/أبريل 2026، أُفيد بوقوع ضربات إسرائيلية واسعة في عدة مناطق من البلاد، ما أدى في وقت قصير جدًا إلى سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين.
وبعيدًا عن التفسيرات السياسية أو العسكرية التي قد تُعطى لهذه الحادثة، يبقى أمرٌ واضح: هذه الأحداث لم تقع في الظل. فقد جرى توثيقها بسرعة، ونقلها، ومشاهدتها على نطاق عالمي، وهو ما يعكس درجة الظهور الفوري التي باتت تتخذها أعمال العنف اليوم داخل فضاء دولي شديد الترابط.
في هذا السياق، تصبح المسألة الأساسية هي ردّة فعل كلٍّ منا إزاء هذه الأوضاع. فعندما تقع بعض أعمال العنف رغم وجود وقف لإطلاق النار، ورغم الالتزامات الدبلوماسية، ورغم انكشاف الأحداث أمام العالم بأسره، يفرض نفسه استنتاجٌ مقلق: وهو وجود نوعٍ من القبول، ولو كان ضمنيًا، بجرائم جماعية تُرتكب باسم مصالح خاصة.
وعلاوة على ذلك، من المعقول الاعتقاد بأن ما نقبله اليوم يؤثر في سلوكنا غدًا، وبالتالي في الطريقة التي يدرك بها الفاعلون السياسيون حدود قبولنا. ولا يعني هذا القول إن كل مأساة تؤدي تلقائيًا إلى تكرار أحداث مماثلة في أماكن أخرى؛ فالتاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك. لكن عندما يقع عنف شديد دون أن يواجه معارضة واضحة، فإن المعايير التي وُضعت لمنع مثل هذه الحالات قد تتلاشى في ضباب الحرب.
ومن ثم ينبغي التفكير في المسؤولية على عدة مستويات: مسؤولية الأطراف المنخرطة مباشرة في النزاعات، ومسؤولية المؤسسات الدولية المكلفة بحماية بعض المعايير الأساسية، وكذلك مسؤولية كلٍّ منا نحن الذين نشاهد هذه الأحداث. ففي عالم تصبح فيه المآسي مرئية للجميع، لا يضعنا صمتنا أو سلبيتنا بالكامل خارج ما يحدث؛ بل إنهما يساهمان، بطريقة ما، في تحديد حدوده، ويكشفان بذلك عن شكلٍ من أشكال المسؤولية الأخلاقية المشتركة إزاء العنف الذي نشهده.
وقد لا يكمن الخطر في العنف نفسه فحسب، بل في التآكل التدريجي لما ينبغي أن يمنعه. فعندما يقع حدث بالغ الخطورة من دون أن تُرسَم له حدود واضحة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما حدث، بل أيضًا بمن نكون نحن.
** مترجمة الى العربية نقلا عن صحيفة le devoir
* طالبة دكتوراه في الفلسفة، جامعة مونتريال
62 مشاهدة
13 أبريل, 2026
70 مشاهدة
12 أبريل, 2026
97 مشاهدة
12 أبريل, 2026