د. علي ضاهر
كلما ارتفعت الأصوات الداعية إلى انفصال كيبيك، تقفز إلى ذهني "حكاية إبريق الزيت". هي حكاية لا تنتهي. الكلام يعيد إنتاج نفسه بلا مخرج ولا خاتمة. هكذا يبدو خطاب الانفصال في كيبيك: دائرة لغوية مغلقة، تكرار واجترار لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ.
لكن، وقبل تحول الحكاية الى "لتّ وعجن" للكلام، كانت في أصلها قصة "لتّ وعجن" حقيقية، بل إعجازية. فأصل الحكاية يعود إلى أرملة "صرفة صيدون". وهي امرأة فقيرة لم تكن تملك سوى حفنة دقيق وبضع قطرات زيت. مرّ بها ذات يوم مار إلياس، طلب منها فطيرة، ووعدها بأن طحينها لن ينفد وزيتها لن ينضب. فكانت المعجزة: كُوَّارُ الدَّقِيقِ لَمْ يَفْرُغْ، وَقَصْعَةُ الزَّيْتِ لَمْ تَنْقُصْ! وأنا، كلبناني جنوبي، أحب أن أعتقد أن "صرفة صيدون" كانت ضمن منطقة صيدا إداريًا، وأن آثارها ما زالت تُرى قرب بلدة الصرفند الجنوبية الحالية.
لكن الشعوب، بطبعها، لا تترك المعجزات بسلام. لا بد لها من تحويرها، زيادة امر من هنا وحذف أخر من هناك، شطب مقاطع من هنا واضافة عليها مروية شعبية من هناك، تقربها إلى حياة المواطن العادي. وهكذا تحوّلت معجزة عدم نفاد الطحين والزيت إلى معجزة عدم نفاد الكلام. صارت الحكاية دائرة لغوية لا تنتهي، لا الراوي يتعب، ولا المستمع ينجو، ولا الموضوع يصل إلى أي مكان. إنها النسخة الحديثة من المعجزة: وفرة في ثرثرة لا تنضب بدل وفرة في الطعام لا ينفد.
كنا، ونحن فتية، نستخدم "حكاية إبريق الزيت" لإزعاج بعضنا، تلك الحكاية التي تبدأ بريئة وتنتهي فخاً لغوياً لا خلاص منه. تخيّل نفسك في غرفة الجلوس، والدك يحتسي قهوته، ثم يلتفت إليك بهدوء: "بدّك خبرك حكاية إبريق الزيت"؟ تظنها قصة من أيام زمان، فتقول بحماس: "أكيد، ليش لأ؟" عندها تلمع عيناه: "إذا قلت ليش لأ أو ما قلت ليش لأ، رح خبرك حكاية إبريق الزيت"! تبتسم، تظنه يمزح، فتقول: "طيب احكيها". فيرد ببرود: "إذا قلت احكيها أو ما قلت احكيها، رح خبرك حكاية إبريق الزيت"! هنا يبدأ وجهك يتغيّر. تحاول الهرب: "خلص، بطل بدّي اسمعها." فيأتيك الرد القاتل: "إذا قلت بطل بدّي اسمعها أو ما قلت بطل بدّي اسمعها، رح خبرك حكاية إبريق الزيت"! تحاول النهوض، فيلاحقك صوته: "إذا قمت أو ما قمت، رح خبرك حكاية إبريق الزيت"! عندها تفهم أنك لست أمام قصة عن عنترة أو أبي زيد، بل أنت بطل قصة مملة لا تبدأ ولا تنتهي، ووالد لا ينوي أن "يحلّ عنك" أبداً.
هكذا هي حكاية كيبيك مع الانفصال: مقاطعة تعيش منذ عقود داخل إبريق زيت سياسي لا ينفد. استفتاء في 1980، آخر في 1995، وعود باستفتاء جديد، ثم تراجع، ثم وعود أخرى، ثم انتظار تبدّل الرياح، ثم العودة إلى السؤال الأبدي: هل تنفصل كيبيك؟ سؤال يُعاد تدويره بلا كلل، كأن الساسة يجلسون على كرسي الراوي، يلوّحون بالحكاية دون أن يرووها. وكلما ارتفعت حرارة النقاش حول اللغة، أو توترت العلاقة مع أوتاوا، أو احتاج حزب ما إلى شدّ العصب، يعود السؤال نفسه، بنفس الكلمات، بنفس الإيقاع. جيل كامل نشأ على هذه الأسطوانة، بينما الواقع يتغيّر: اقتصاد يتحوّل، لغة تتراجع، وهوية تتآكل، ومواطن فرنكوفوني يشعر أنه يغرق في بحر لا فرنسي. خطاب استقلالي يعد بالإنقاذ، ولا يقدّم شيئاً. التكرار لم يعد عادة، بل أداة سياسية. الأحزاب تستخدم موضوع الانفصال كما يستخدم الراوي حكاية إبريق الزيت: لإبقاء الجمهور مشدوداً، متوتراً، مترقّباً، دون أن تقدّم له شيئاً فعلياً. وعد دائم، مؤجّل دائماً. ومع ذلك، يواصل السياسيون التمثيل، ويواصل الجمهور التظاهر بالاهتمام، كأن الجميع متفقون على استمرار حكاية إبريق الزيت، بلا نهاية.
لكن، في النهاية، يبقى السؤال معلّقاً. لا لأنه سؤال مصيري كما يحبّ خطباء المنابر أن يصرخوا، بل لأنه سؤال مفيد: مفيد لتأجيل القرارات حين يخشون اتخاذها، مفيد لإيقاظ العصبيات كلما غفت، كما فعل بلانشيت مؤخراً بعد خسارة مرشّحة البلوك، ومفيد لملء الفراغ حين تعجز السياسة عن إنتاج شيء غير الضجيج. لكنه، في المقابل، مضر: ينهش الاقتصاد، يفتّت النسيج الاجتماعي، ويدفع الكفاءات إلى الرحيل لأنها تعرف أن الانتظار ليس مشروعاً. إنه سؤال لا يريدون الإجابة عنه، لأن أي إجابة، أياً تكن، تسحب البساط، تُسكت الراوي، وتُسدل الستار على لعبة عاشوا عليها عقوداً.
كثير من الساسة يتركون كيبيك، بثقافتها وتاريخها وطموحات ناسها، واقفة على مفرق طريق، تنتظر غودو الذي لا يأتي. أما هم، فواقفون تحت الأضواء، يعيدون لعب أسطوانة مشروخة منذ السبعينات، ويقولون للمواطن: مسألة الانفصال؟ بسيطة. اقعد. رح نعيد نحكيلك الحكاية. إذا بدّك تنفصل أو ما بدّك تنفصل، رح نحكيلك حكاية إبريق الزيت!
كلما ارتفعت الأصوات الداعية إلى انفصال كيبيك، تقفز إلى ذهني "حكاية إبريق الزيت". هي حكاية لا تنتهي. الكلام يعيد إنتاج نفسه بلا مخرج ولا خاتمة. هكذا يبدو خطاب الانفصال في كيبيك: دائرة لغوية مغلقة، تكرار واجترار لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ.
لكن، وقبل تحول الحكاية الى "لتّ وعجن" للكلام، كانت في أصلها قصة "لتّ وعجن" حقيقية، بل إعجازية. فأصل الحكاية يعود إلى أرملة "صرفة صيدون". وهي امرأة فقيرة لم تكن تملك سوى حفنة دقيق وبضع قطرات زيت. مرّ بها ذات يوم مار إلياس، طلب منها فطيرة، ووعدها بأن طحينها لن ينفد وزيتها لن ينضب. فكانت المعجزة: كُوَّارُ الدَّقِيقِ لَمْ يَفْرُغْ، وَقَصْعَةُ الزَّيْتِ لَمْ تَنْقُصْ! وأنا، كلبناني جنوبي، أحب أن أعتقد أن "صرفة صيدون" كانت ضمن منطقة صيدا إداريًا، وأن آثارها ما زالت تُرى قرب بلدة الصرفند الجنوبية الحالية.
لكن الشعوب، بطبعها، لا تترك المعجزات بسلام. لا بد لها من تحويرها، زيادة امر من هنا وحذف أخر من هناك، شطب مقاطع من هنا واضافة عليها مروية شعبية من هناك، تقربها إلى حياة المواطن العادي. وهكذا تحوّلت معجزة عدم نفاد الطحين والزيت إلى معجزة عدم نفاد الكلام. صارت الحكاية دائرة لغوية لا تنتهي، لا الراوي يتعب، ولا المستمع ينجو، ولا الموضوع يصل إلى أي مكان. إنها النسخة الحديثة من المعجزة: وفرة في ثرثرة لا تنضب بدل وفرة في الطعام لا ينفد.
كنا، ونحن فتية، نستخدم "حكاية إبريق الزيت" لإزعاج بعضنا، تلك الحكاية التي تبدأ بريئة وتنتهي فخاً لغوياً لا خلاص منه. تخيّل نفسك في غرفة الجلوس، والدك يحتسي قهوته، ثم يلتفت إليك بهدوء: "بدّك خبرك حكاية إبريق الزيت"؟ تظنها قصة من أيام زمان، فتقول بحماس: "أكيد، ليش لأ؟" عندها تلمع عيناه: "إذا قلت ليش لأ أو ما قلت ليش لأ، رح خبرك حكاية إبريق الزيت"! تبتسم، تظنه يمزح، فتقول: "طيب احكيها". فيرد ببرود: "إذا قلت احكيها أو ما قلت احكيها، رح خبرك حكاية إبريق الزيت"! هنا يبدأ وجهك يتغيّر. تحاول الهرب: "خلص، بطل بدّي اسمعها." فيأتيك الرد القاتل: "إذا قلت بطل بدّي اسمعها أو ما قلت بطل بدّي اسمعها، رح خبرك حكاية إبريق الزيت"! تحاول النهوض، فيلاحقك صوته: "إذا قمت أو ما قمت، رح خبرك حكاية إبريق الزيت"! عندها تفهم أنك لست أمام قصة عن عنترة أو أبي زيد، بل أنت بطل قصة مملة لا تبدأ ولا تنتهي، ووالد لا ينوي أن "يحلّ عنك" أبداً.
هكذا هي حكاية كيبيك مع الانفصال: مقاطعة تعيش منذ عقود داخل إبريق زيت سياسي لا ينفد. استفتاء في 1980، آخر في 1995، وعود باستفتاء جديد، ثم تراجع، ثم وعود أخرى، ثم انتظار تبدّل الرياح، ثم العودة إلى السؤال الأبدي: هل تنفصل كيبيك؟ سؤال يُعاد تدويره بلا كلل، كأن الساسة يجلسون على كرسي الراوي، يلوّحون بالحكاية دون أن يرووها. وكلما ارتفعت حرارة النقاش حول اللغة، أو توترت العلاقة مع أوتاوا، أو احتاج حزب ما إلى شدّ العصب، يعود السؤال نفسه، بنفس الكلمات، بنفس الإيقاع. جيل كامل نشأ على هذه الأسطوانة، بينما الواقع يتغيّر: اقتصاد يتحوّل، لغة تتراجع، وهوية تتآكل، ومواطن فرنكوفوني يشعر أنه يغرق في بحر لا فرنسي. خطاب استقلالي يعد بالإنقاذ، ولا يقدّم شيئاً. التكرار لم يعد عادة، بل أداة سياسية. الأحزاب تستخدم موضوع الانفصال كما يستخدم الراوي حكاية إبريق الزيت: لإبقاء الجمهور مشدوداً، متوتراً، مترقّباً، دون أن تقدّم له شيئاً فعلياً. وعد دائم، مؤجّل دائماً. ومع ذلك، يواصل السياسيون التمثيل، ويواصل الجمهور التظاهر بالاهتمام، كأن الجميع متفقون على استمرار حكاية إبريق الزيت، بلا نهاية.
لكن، في النهاية، يبقى السؤال معلّقاً. لا لأنه سؤال مصيري كما يحبّ خطباء المنابر أن يصرخوا، بل لأنه سؤال مفيد: مفيد لتأجيل القرارات حين يخشون اتخاذها، مفيد لإيقاظ العصبيات كلما غفت، كما فعل بلانشيت مؤخراً بعد خسارة مرشّحة البلوك، ومفيد لملء الفراغ حين تعجز السياسة عن إنتاج شيء غير الضجيج. لكنه، في المقابل، مضر: ينهش الاقتصاد، يفتّت النسيج الاجتماعي، ويدفع الكفاءات إلى الرحيل لأنها تعرف أن الانتظار ليس مشروعاً. إنه سؤال لا يريدون الإجابة عنه، لأن أي إجابة، أياً تكن، تسحب البساط، تُسكت الراوي، وتُسدل الستار على لعبة عاشوا عليها عقوداً.
كثير من الساسة يتركون كيبيك، بثقافتها وتاريخها وطموحات ناسها، واقفة على مفرق طريق، تنتظر غودو الذي لا يأتي. أما هم، فواقفون تحت الأضواء، يعيدون لعب أسطوانة مشروخة منذ السبعينات، ويقولون للمواطن: مسألة الانفصال؟ بسيطة. اقعد. رح نعيد نحكيلك الحكاية. إذا بدّك تنفصل أو ما بدّك تنفصل، رح نحكيلك حكاية إبريق الزيت!
16 مشاهدة
17 أبريل, 2026
233 مشاهدة
15 أبريل, 2026
101 مشاهدة
13 أبريل, 2026