د. علي ضاهر - مونتريال
ما جرى في فلسطين هز ضمير الكثيرين. ابن حي "هوشيلاغا" في مونتريال التقط الإشارة. ارتدى بسرعة الكوفية ونزل إلى الشارع. أما ابن الروشة، وبولاق، والمزّة، والرياض، الذي أمضى عقوداً يعلن أن فلسطين هي "قضيته"، فلم تصله الرسالة! لا هزة، ولا ارتجاج، ولا وخزة ضمير حركته، ولا ما يحزنون. يبدو أن التطبيق المسؤول عن استشعار المظالم الإنسانية، المثبّت في رأسه، تخلخل. فسبحان مبدل الأحوال! شاب غربي لم يعرف الكوفية إلا عبر نشرات الأخبار، بات يحملها في الجامعات والنقابات والتظاهرات، بينما يتعامل معها بعض أبناء المنطقة التي وُلدت فيها كما يتعامل المرء مع وشم قديم من أيام الطيش، يفضل إخفاءه أو التخلّص منه.
في الغرب، لم تعد فلسطين مجرد قضية بعيدة. لقد تحولت لدى كثير من الطلاب والنقابيين والناشطين إلى رمز للاعتراض على السلطات. لم يعد مستغرباً أن تظهر الكوفية في تظاهرة ضد غلاء المعيشة أو أزمة السكن، رغم أن أواصر القربى بين هؤلاء المتظاهرين والشرق الأوسط قد لا تتعدى قرص فلافل أو سيخ شاورما. لكن هنا تبدأ المسخرة! فما إن تقع عين اليمين في الغرب على الكوفية حتى تختفي أزمة السكن، ويتبخّر الغلاء، وتتوارى المطالب الاجتماعية خلف قطعة قماش بيضاء وسوداء. وفجأة، وبسحر ساحر، لا يعود في الساحة بنظر هذا اليمين طلاب غاضبون، أو عمال يحتجون، أو مواطنون يطالبون بحقوقهم. كل ما يتحرك أمام عينيه يصبح "خطراً إسلامياً" يهدد الحضارة الغربية! ووفق هذا المنطق الأعوج، يكفي أن تضع الكوفية على كتفيك حتى تُرقّى فوراً إلى عضو في تنظيم إسلامي دولي. لا يهم إن كنت نقابياً علمانياً، أو ناشطاً بيئياً، أو مواطناً لا يعرف عن الشرق سوى الحمص والتبولة. لقد صدر الحكم وانتهى الأمر. فالكوفية، في نظرهم، تملك قدرة سحرية على كشف هويتك السياسية أكثر من كل ما كتبته أو قلته أو فعلته في حياتك!
أما في الشرق، فقد تحققت معجزة من نوع اخر. إذ نجحت السلطات المتعاقبة هناك في تحويل فلسطين من قضية تحرر وطني إلى شماعة تُعلق عليها كل إخفاقاتها التنموية والسياسية. إذا تعثّر الاقتصاد فبسبب فلسطين، وإذا تأخرت التنمية فبسبب فلسطين، وإذا ساءت الأحوال فبسبب فلسطين! لكن الغرابة ليست في السياسيين اليمينيين الشعوبيين في الغرب، الذين يلصقون كل المصائب بالمهاجر، خصوصاً المسلم. فهذا مصدر رزقهم. لكن العجب كل العجب هو أن ابن "هوشيلاغا" أصبح أكثر استعداداً للدفاع عن رمزية الكوفية من بعض الذين تربوا على الأغاني والخطب والقصائد التي جعلت فلسطين محور الكون. فابن هوشيلاغا" يتظاهر تحت المطر والثلج، فيما يجلس ابن بولاق متسائلاً ببرود: "وإيه الفايدة؟"، وابن "أنجو" يرفع الكوفية في مواجهة الشرطة، بينما يشرح لك ابن الروشة أن الأولوية اليوم هي للواقعية السياسية، أما ابن الرياض فمشغول بمهرجان غنائي أو برنامج مواهب جديد! السبب لا يعود بالضرورة إلى نقص في الأخلاق أو انعدام في المشاعر، فسنوات طويلة من الإحباط والترويض السياسي نجحت في تَيْئِيس الناس وتثبيط عزائمهم، وربّتهم على عقيدة انزوائية مفادها "نفسي وبس والباقي خس"!
لهذا وجدت الكوفية الفلسطينية نفسها مضطرة إلى الهجرة! ولم لا؟ فكما هاجر الأطباء والمهندسون والعلماء وخيرة الشباب، قررت هي الأخرى أن تبحث عن وطن بديل. وحتى في بلاد الثلج، وجدت أكتافاً تحملها، وصدوراً تحميها، وناشطين يعتبرونها راية احتجاج ضد الظلم، أما في أرضها الأصلية، فقد أضحت تبحث بصعوبة عن كتف يجرؤ على حملها دون خوف أو حرج.
لقد نجح القمع، ومعه سنوات طويلة من التفريغ السياسي والاحباط، في تحقيق إنجازٍ نادر. لم يكتفوا بتهجير البشر. هجّروا الرموز والمعاني أيضاً. أخرجوهم، ثم دفعوا شعاراتهم إلى الهجرة خلفهم. لذلك لم تعد المفارقة في أن يرفع ابن "هوشيلاغا" الكوفية. المفارقة الحقيقية أن بعض أبناء الروشة وبولاق والمزّة والرياض باتوا ينظرون إليه باستغراب وهو يفعل ذلك! مشكلتهم لم تعد في ترك القضية. لقد أصبحت في وجود أناس في أقاصي الأرض لا يزالون يأخذون مفاهيم الحق والعدالة على محمل الجد.
ما جرى في فلسطين هز ضمير الكثيرين. ابن حي "هوشيلاغا" في مونتريال التقط الإشارة. ارتدى بسرعة الكوفية ونزل إلى الشارع. أما ابن الروشة، وبولاق، والمزّة، والرياض، الذي أمضى عقوداً يعلن أن فلسطين هي "قضيته"، فلم تصله الرسالة! لا هزة، ولا ارتجاج، ولا وخزة ضمير حركته، ولا ما يحزنون. يبدو أن التطبيق المسؤول عن استشعار المظالم الإنسانية، المثبّت في رأسه، تخلخل. فسبحان مبدل الأحوال! شاب غربي لم يعرف الكوفية إلا عبر نشرات الأخبار، بات يحملها في الجامعات والنقابات والتظاهرات، بينما يتعامل معها بعض أبناء المنطقة التي وُلدت فيها كما يتعامل المرء مع وشم قديم من أيام الطيش، يفضل إخفاءه أو التخلّص منه.
في الغرب، لم تعد فلسطين مجرد قضية بعيدة. لقد تحولت لدى كثير من الطلاب والنقابيين والناشطين إلى رمز للاعتراض على السلطات. لم يعد مستغرباً أن تظهر الكوفية في تظاهرة ضد غلاء المعيشة أو أزمة السكن، رغم أن أواصر القربى بين هؤلاء المتظاهرين والشرق الأوسط قد لا تتعدى قرص فلافل أو سيخ شاورما. لكن هنا تبدأ المسخرة! فما إن تقع عين اليمين في الغرب على الكوفية حتى تختفي أزمة السكن، ويتبخّر الغلاء، وتتوارى المطالب الاجتماعية خلف قطعة قماش بيضاء وسوداء. وفجأة، وبسحر ساحر، لا يعود في الساحة بنظر هذا اليمين طلاب غاضبون، أو عمال يحتجون، أو مواطنون يطالبون بحقوقهم. كل ما يتحرك أمام عينيه يصبح "خطراً إسلامياً" يهدد الحضارة الغربية! ووفق هذا المنطق الأعوج، يكفي أن تضع الكوفية على كتفيك حتى تُرقّى فوراً إلى عضو في تنظيم إسلامي دولي. لا يهم إن كنت نقابياً علمانياً، أو ناشطاً بيئياً، أو مواطناً لا يعرف عن الشرق سوى الحمص والتبولة. لقد صدر الحكم وانتهى الأمر. فالكوفية، في نظرهم، تملك قدرة سحرية على كشف هويتك السياسية أكثر من كل ما كتبته أو قلته أو فعلته في حياتك!
أما في الشرق، فقد تحققت معجزة من نوع اخر. إذ نجحت السلطات المتعاقبة هناك في تحويل فلسطين من قضية تحرر وطني إلى شماعة تُعلق عليها كل إخفاقاتها التنموية والسياسية. إذا تعثّر الاقتصاد فبسبب فلسطين، وإذا تأخرت التنمية فبسبب فلسطين، وإذا ساءت الأحوال فبسبب فلسطين! لكن الغرابة ليست في السياسيين اليمينيين الشعوبيين في الغرب، الذين يلصقون كل المصائب بالمهاجر، خصوصاً المسلم. فهذا مصدر رزقهم. لكن العجب كل العجب هو أن ابن "هوشيلاغا" أصبح أكثر استعداداً للدفاع عن رمزية الكوفية من بعض الذين تربوا على الأغاني والخطب والقصائد التي جعلت فلسطين محور الكون. فابن هوشيلاغا" يتظاهر تحت المطر والثلج، فيما يجلس ابن بولاق متسائلاً ببرود: "وإيه الفايدة؟"، وابن "أنجو" يرفع الكوفية في مواجهة الشرطة، بينما يشرح لك ابن الروشة أن الأولوية اليوم هي للواقعية السياسية، أما ابن الرياض فمشغول بمهرجان غنائي أو برنامج مواهب جديد! السبب لا يعود بالضرورة إلى نقص في الأخلاق أو انعدام في المشاعر، فسنوات طويلة من الإحباط والترويض السياسي نجحت في تَيْئِيس الناس وتثبيط عزائمهم، وربّتهم على عقيدة انزوائية مفادها "نفسي وبس والباقي خس"!
لهذا وجدت الكوفية الفلسطينية نفسها مضطرة إلى الهجرة! ولم لا؟ فكما هاجر الأطباء والمهندسون والعلماء وخيرة الشباب، قررت هي الأخرى أن تبحث عن وطن بديل. وحتى في بلاد الثلج، وجدت أكتافاً تحملها، وصدوراً تحميها، وناشطين يعتبرونها راية احتجاج ضد الظلم، أما في أرضها الأصلية، فقد أضحت تبحث بصعوبة عن كتف يجرؤ على حملها دون خوف أو حرج.
لقد نجح القمع، ومعه سنوات طويلة من التفريغ السياسي والاحباط، في تحقيق إنجازٍ نادر. لم يكتفوا بتهجير البشر. هجّروا الرموز والمعاني أيضاً. أخرجوهم، ثم دفعوا شعاراتهم إلى الهجرة خلفهم. لذلك لم تعد المفارقة في أن يرفع ابن "هوشيلاغا" الكوفية. المفارقة الحقيقية أن بعض أبناء الروشة وبولاق والمزّة والرياض باتوا ينظرون إليه باستغراب وهو يفعل ذلك! مشكلتهم لم تعد في ترك القضية. لقد أصبحت في وجود أناس في أقاصي الأرض لا يزالون يأخذون مفاهيم الحق والعدالة على محمل الجد.
61 مشاهدة
07 نوفمبر, 2026
57 مشاهدة
06 نوفمبر, 2026
130 مشاهدة
04 نوفمبر, 2026