Sadaonline

المطران عطا الله حنّا في ندوة بمونتريال: الرهان على أحرار العالم

تناول اللقاء آثار وعد بلفور والواقع الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس

 

انعقدت يوم الأحد 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026 ندوة حوارية بعنوان "فلسطين بعد مئة عام على وعد بلفور"، نظّمها المجلس التنسيقي لدعم فلسطين في كندا  (CC4P)، بمناسبة مرور 109 أعوام على صدور الوعد. وشارك المطران عطا الله حنّا، رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس في بطريركية القدس في فلسطين، عبر اتصال مرئي من القدس، فيما اجتمع الحضور شخصيًا بالمئات في مركز سان بيير في مونتريال وفي مراكز في عدد من المدن الكندية، منها أوتاوا وريجينا، بمشاركة رجال دين ومناصرين من خلفيات دينية وثقافية متعددة، مع حضور فاعل عبر منصة الزووم.

وتناول اللقاء آثار وعد بلفور والواقع الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس، إلى جانب الاعتداءات على دور العبادة، ودور الكنائس والجهات الدولية في نصرة الفلسطينيين. وفي مداخلاته وردوده على أسئلة الحضور، شدّد حنّا على أن القضية الفلسطينية قضية عدالة وحرية وإنسانية، وليست صراعًا دينيًا، داعيًا إلى التضامن مع الشعب الفلسطيني وتعزيز الوحدة في مواجهة الاحتلال والانقسام.

وفي كلمة الترحيب، قدّمت دارين حوماني المطران حنّا بوصفه أحد أبرز رجال الدين الفلسطينيين الذين ارتبط حضورهم العام بالدفاع عن القدس وفلسطين، وبالدعوة إلى الحوار بين المسلمين والمسيحيين. وقالت إن للقاء دلالة خاصة لانعقاده في ذكرى وعد بلفور، الذي "شكّل محطة مفصلية في تاريخ فلسطين الحديث"، مشيرةً إلى أن تبعاته ما زالت حاضرة في واقع الشعب الفلسطيني وقضيته.

وافتتح لبيب فرج الله الندوة بطرح أسئلة قال إنها تمهّد للنقاش: هل ستظل فلسطين شاهدة على وعد نُفّذ وحقوق أُجّلت وسُلبت، أم تفتح المئوية الثانية طريقًا تصبح فيه الحقوق أساسًا للمطالبة؟ وما الذي بقي من المشروع الذي أطلقه وعد بلفور، وكيف تغيّرت موازين القوى؟ كما تساءل كيف تحوّل الوعد إلى سياسة، ثم إلى واقع وأزمة امتدت آثارها، بحسب قوله، إلى دول الجوار والمشرق والعالم.


ووصف فرج الله وعد بلفور بأنه "مشروع استعماري استيطاني"، لا مجرد تفاهم بين الحكومة البريطانية والحركة الصهيونية. واستحضر في كلمته البطريرك إلياس الرابع معوّض، ناقلًا عنه قوله في القمة الإسلامية التي عُقدت في لاهور عام 1974: "لقد جئتكم من كنيسة العرب السورية كي أتحدث إليكم عن قضية العرب". ثم حيّا المطران حنّا، رابطًا بين مواقف البطريرك الراحل ومواقف ضيف الندوة، وقال: "فمن بطريرك العرب إلياس الرابع إلى مطران العرب عطا الله حنّا، تحية إكبار وإجلال ومحبة ووفاء".

كلمة المطران عطا الله حنّا: الوقوف إلى جانب فلسطين انحياز إلى الإنسانية

خاطب المطران عطا الله حنّا المشاركين في الندوة مستهلًا كلمته بشكر الحضور، ومحيّيًا اجتماع مسيحيين ومسلمين ويهود حول قضية فلسطين. وقال: "نلتقي جميعًا كأسرة واحدة، مسيحيين ومسلمين ويهود، لكي نقول إنه لا يضيع حق وراءه مطالب"، مستشهدًا بآية من الكتاب المقدس: "ما أحلى وما أجمل أن يلتقي الإخوة معًا".


وربط حنّا بين اللقاء والتضامن مع الفلسطينيين، معتبرًا أن الشعب الفلسطيني يعيش النكبات والنكسات منذ وعد بلفور، مرورًا بعامي 1948 و1967، وصولًا إلى حرب الإبادة في غزة. وخصّ قطاع غزة بالحديث: "غزة المدمرة، غزة المنكوبة"، وقال إن أكثر من مليوني إنسان يعيشون فيه في ظل الحصار والتجويع والتنكيل، مؤكدًا أن الفلسطينيين، رغم ذلك، "سيبقون شامخين متمسكين بثوابتهم وانتمائهم لهذه الأرض".

ووصف المطران وعد بلفور بأنه "الوعد المشؤوم" الذي كان، في رأيه، سببًا في الكوارث التي لحقت بالشعب الفلسطيني. واستعاد حوارًا نُقل عن البابا شنودة خلال زيارة إلى الولايات المتحدة، حين سأله صحافي إن كان وعد الله قد تحقق من خلال وعد بلفور، فأجابه، بحسب رواية حنّا: "وعد الله شيء، ووعد بلفور شيء آخر؛ والله لا يحلل القتل، ولا يحلل أن تُمتَهَن كرامة الإنسان". وقال إن ما تعرّض له الفلسطينيون لا يمكن أن يقبله إنسان لديه قيم ومبادئ وإيمان.

ورأى حنّا أن رقعة التضامن والوعي بالقضية الفلسطينية اتسعت في العالم خلال حرب الإبادة وبعدها. وأرجع ذلك، أولًا، إلى تضحيات الفلسطينيين، قائلًا إن "كل قطرة دم تسيل لها كرامتها"، وإن حياة الإنسان مقدسة لأن الله هو خالقه. وأضاف أن خروج متظاهرين من جميع أنحاء العالم من أديان وخلفيات ثقافية وإنسانية مختلفة يعكس رفضًا للعدوان ومطالبةً بحرية الشعب الفلسطيني. كما أشار إلى دور المؤسسات الدينية والشخصيات الوطنية والجاليات العربية والمؤسسات الإعلامية، وإلى مواقف الأشقاء العرب، في تنامي هذا الوعي.

ولفت إلى أن "الإعلام لم يعد حكرًا على المؤسسات التي وصفها بأنها كانت تحرّض على الفلسطينيين"، موضحًا أن "طفلًا في غزة يحمل هاتفًا محمولًا يستطيع توثيق المجازر والجرائم ونشرها". وقال إن "العالم بات يرى ويسمع ما يحدث في فلسطين، ولا سيما في غزة". وتمنى أن تصل رسالته "إلى الشعب الكندي كل الشعب الكندي والشعب الأميركي وإلى كل شعوب العالم" بأن "الانحياز إلى جانب فلسطين والمطالبة بالعدالة والحرية والكرامة وإنهاء الاحتلال هو انحياز إلى الإنسانية، بصرف النظر عن الدين أو المذهب".

وتناول حنّا الهجوم الذي استهدف كنيسة أرثوذكسية في بلدة حمود بمحافظة الكرك الأردنية، معزيًا بالضحايا ومتمنيًا الشفاء للجرحى. وأدان الاعتداء على الكنائس ودور العبادة والرموز الدينية، معتبرًا أنه "يندرج في مخططات تهدف إلى إثارة الكراهية والعنصرية والطائفية وتقسيم المجتمعات". وقال إن "الاعتداء على الكنيسة في الأردن والاعتداء على الكنيسة في غزة وجهان لعملة واحدة"، داعيًا شعوب المنطقة إلى "التحلي بالوعي والحكمة ورفض محاولات التشرذم، لأن فلسطين تحتاج إلى أمة موحدة وقوية، ولأنها قضية أولى للعرب، وقضية أولى للإنسانية كلها".

وأكد أن "كنائس الأرض المقدسة وقفت إلى جانب الفلسطينيين في آلامهم، ولم تكن متفرجة أو صامتة". واستذكر فتح الكنائس والأديرة أبوابها لمساعدة اللاجئين بعد نكبة 1948، ثم إيواء النازحين في غزة ممن دُمّرت منازلهم. كما تحدث عن "المبادرة المسيحية الفلسطينية" التي أُطلقت قبل نحو عشرين عامًا، وعن وثيقة "كايروس فلسطين" التي تُرجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة، ثم وثيقة "كايروس فلسطين 2" التي صدرت بعد حرب غزة  للتعبير عن معاناة الشعب الفلسطيني وموقف الكنيسة.

ووجّه حنّا نداءً إلى الكنائس المسيحية في كندا والولايات المتحدة وسائر أنحاء العالم، طالبًا منها اتخاذ موقف معلن والمناداة بوقف المظالم. كما دعا المرجعيات الدينية المسيحية والإسلامية واليهودية إلى "تحمّل مسؤوليتها الأخلاقية"، وأشاد بمشاركة يهود في الندوة يؤمنون بالسلام ولا يتبنون الفكر الصهيوني، قائلًا "إن رؤية أشخاص من ديانات مختلفة يطالبون بحرية فلسطين وكرامتها تترك أثرًا بالغًا".

ووصف الأوضاع في الضفة الغربية بأنها كارثية، قائلًا: "الضفة الغربية تحولت إلى سجن كبير تحيط به البوابات الحديدية وأسوار الفصل العنصري التي تمنع الإنسان الفلسطيني من أن ينتقل من مكان إلى مكان" مضيفًا: "الفلسطينيون محرومون من أبسط حقوقهم، ومن الوصول إلى القدس ومقدساتهم وأعمالهم". كما أشار إلى البطالة والفقر والاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيون وممتلكاتهم، بما فيها أشجار الزيتون، معتبرًا أن انتشار المستوطنات والاعتداءات يفاقمان معاناتهم. وفي القدس، قال إن "سياسات الاحتلال تستهدف هوية الفلسطينيين، وإن المسجد الأقصى والمقدسات المسيحية يتعرضان للاستهداف".

وفي ختام كلمته، شدد حنّا على أن "النكبة ليست حدثًا تاريخيًا انتهى، بل واقع نعيشه". وقال إن الفلسطينيين "يواجهون الاحتلال والعنصرية والقمع، وإن محاولات دفعهم إلى الرحيل لم تنجح في انتزاع تمسكهم بأرضهم". وأضاف: "بالرغم من كل ذلك، سيبقى الفلسطيني شامخًا، متمسكًا بثوابته وأصالته وانتمائه"، شاكرًا الحاضرين على تضامنهم وانحيازهم إلى القضية الفلسطينية، قبل فتح المجال للأسئلة.

السيد نبيل عباس: لا فرق بين المسلمين والمسيحيين واليهود؛ نحن إخوة في الإنسانية

في مداخلة مؤثرة له خلال الندوة، عرّف نبيل عباس، ممثل المجلس الشيعي الأعلى في لبنان، نفسه بأنه "ابن جبل عامل، ابن بلدة الطيبة التي ترزح تحت الاحتلال"، مستشهدًا بحديث نبوي يقول: "أعظم الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر"، ومخاطبًا المطران حنّا: "وأنت تقول الحق في وجه الجور كله".

وتحدث عباس عن التعايش بين الأديان، مستعيدًا تأسيس النبي محمد للدولة المدنية في المدينة المنورة، كما أشار إلى ما ورد في وثيقة المدينة بشأن المسلمين واليهود والقبائل المتحالفة معهم. واستشهد بوصية الإمام علي لمالك الأشتر، قائلًا إن الناس "إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".

واستعاد عباس تظاهرةً شهدتها مونتريال خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، وقال إنه وقف يومها أمام الصحافة الكندية (غازيت، غلوب أند مايل، لا بريس، جورنال مونتريال) مع مشاركين قدم بعضهم من نيويورك. ثم وقف ورفع يد الحاخام اليهودي دافيد تاوب، الذي حضر الندوة برفقة عدد من الحاخامات، وخاطبه بالإنكليزية قائلًا: "لا فرق بين المسلمين واليهود؛ نحن إخوة في الإنسانية، ولسنا في صراع بعضنا مع بعض. نحن نحترم السيد موسى وأنبياءكم".

وفي سياق حديثه عن الاعتداءات على دور العبادة، قال عباس إن "من اعتدى على المسيحيين في الكنيسة في حمود هو نفسه من اعتدى على المسجد في نيوزيلندا، وفي دور عبادة أخرى، وهو ذاته الذي ينتمي إلى أحزاب اليمين المتطرف التي بدأت تطل برأسها في الكثير من بلدان أوروبا وغيرها من العالم". كما رأى أن استهداف دور العبادة يغذي الانقسام والكراهية.

واستحضر عباس حديث وزيرة خارجية أميركا السابقة هيلاري كلينتون: " نحن مولنا داعش ونحن أنشأنا داعش" مؤكدًا على المحاولات لتقديم صورة مشوّهة عن الإسلام، قائلًا: "إنهم لا يقبلون بإسلام معتدل يحترم الأفكار ويحترم العقائد ويحترم الحريات. إنهم يريدون الإسلام المشوه الذي يعمل بأجندة دول إقليمية وعالمية".

واستحضر عباس لقاءً جمعه بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، نقل فيه عن الراعي رواية لمحادثة مع الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي بشأن المسيحيين في الشرق، إذ قال لهم ساركوزي أن ينتقلوا للعيش في أوروبا. وقال عباس إن جواب الراعي كان أن مسيحيي الشرق "شركاء للمسلمين، هم أصيلون، وجودهم أساسي، لا معنى للشرق من دون وجودهم"، معتبرًا أن مثل هذه التصريحات تكشف، في رأيه، ما يُخطط له خلف الكواليس.

وختم عباس بالتعبير عن تقديره لمواقف المطران حنّا، داعيًا إلى مواصلة التضامن معه كلٌّ من موقعه، وهتف: "الحرية لفلسطين، الحرية لغزة، الحرية للطيبة وبنت جبيل".

العقلية التي تستهدف الكنائس هي نفسها التي تعتدي على المساجد

تناول المطران حنا كلمة السيد نبيل عباس عن الاعتداء على كنيسة حمود، فقال إن العقلية التي تستهدف الكنائس هي نفسها التي تعتدي على المساجد ودور العبادة في أماكن أخرى. وأضاف أن المسيحيين في القدس يدافعون عن كنائسهم وأوقافهم، كما يدافعون عن المسجد الأقصى، لأن المقدسات الإسلامية والمسيحية، بحسب تعبيره، مستهدفة. ورأى أن إثارة الكراهية والطائفية تهدف إلى تشتيت المجتمعات وإضعافها، داعيًا إلى مواجهة ذلك بتعزيز الأخوة والوحدة، ومؤكدًا: "لا للكراهية، لا للعنصرية، لا للطائفية، لا للتشرذم".

الشيخ علي سبيتي: التضامن مع فلسطين موقف إنساني جامع

وفي مداخلة قيّمة للشيخ علي سبيتي، رأى أن مشاركة رجال دين يهود ومسلمين ومسيحيين في الندوة تؤكد أن التضامن مع المظلومين في فلسطين والمنطقة "يحمل طابعًا إنسانيًا شاملًا"، وأنه لا يصح تقديم الصراع بوصفه صراعًا دينيًا أو مذهبيًا. وقال إن "وسم هذا الصراع بأي سمة تخرجه عن حقيقته، إنما تدحضه هذه المواقف الوطنية والقومية المشرفة"، مؤكدًا أن الفلسطينيين يواصلون الصمود والبقاء على أرضهم، وأنهم "أكثر أملًا من أي وقت مضى أن عصر التحرير قادم".

وأيّد المطران حنّا هذا الطرح، مؤكدًا أن "الصراع في منطقتنا ليس صراعًا دينيًا، وليس صراعًا بين الأديان"، لأن الأديان، كما قال، يمكن أن تتفاعل في خدمة الإنسانية والقضايا العادلة. وعرّف جوهر الصراع بأنه مواجهة بين الحق والظلم، وبين الاحتلال وشعب يطلب الحرية والتحرر منه.

وأشار حنّا إلى أن مؤيدي القضية الفلسطينية ينتمون إلى أديان وخلفيات مختلفة، وكذلك خصومها، محذرًا من التعميم على أتباع أي دين. وقال بوضوح: "أنا كفلسطيني لا أكره اليهودي؛ أنا أكره الصهيونية، الفكر الصهيوني، والاحتلال الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه". وأعرب عن ارتياحه لمشاركة يهود في الندوة، ولرؤيتهم يتظاهرون بلباسهم الديني تضامنًا مع الفلسطينيين في الولايات المتحدة وغيرها، معتبرًا أن ذلك يبرهن على قدرة أناس من مختلف الأديان على الاجتماع دفاعًا عن شعب مظلوم.

وفي ختام رده، حيّا سبيتي ورجال الدين المسلمين واليهود والمسيحيين المشاركين، وقال إنهم "كلنا معًا عائلة واحدة ندافع عن الإنسان المظلوم والمعذّب في فلسطين".

أسئلة الحاضرين

وفي مداخلة تلت ذلك، وجّه حبيب حجار، وهو من المغتربين اللبنانيين في كندا منذ ستينيات القرن الماضي، سؤالًا إلى المطران حنّا عن رؤية الكنيسة في القدس لما يجري في غزة. وتساءل عن تراجع الحديث الغربي عن إقامة دولة فلسطينية بعد أن تبنّته دول أوروبية في بداية الحرب، وعن محدودية تغطية وسائل الإعلام الغربية للندوات والفعاليات والاعتداءات على دور العبادة في فلسطين ولبنان. كما سأل عن دور الكنيسة الفلسطينية في حماية المقدسات والوجود المسيحي، وعن مسؤولية الكنائس الغربية، ولا سيما في كندا، في مساندة المجتمعات المسيحية في فلسطين ولبنان وترسيخ وحدة المسلمين والمسيحيين.

ردّ المطران عطا الله حنّا قائلًا بأنه يعتبر نفسه "خادمًا للكنيسة، وخادمًا لهذه الأرض، وخادمًا للشعب الفلسطيني"، مضيفًا أن الدفاع عن القدس والفلسطينيين له ثمن، إذ يعرّض المدافعين عن القضية للملاحقة والتحريض والاعتقال والاستهداف. وأكد أن ذلك لم يغيّر مواقفه أو رسالته، وأنه سيواصل المطالبة بأن يعيش الفلسطيني في وطنه "بحرية وسلام مثل باقي شعوب العالم".

وفي إجابته عن سؤال حبيب حجار بشأن مسؤولية الغرب، انتقد حنّا حكوماتٍ قال إنها تتحدث عن حقوق الإنسان والديمقراطية، لكنها تتجاهل معاناة الفلسطينيين وشعوب المنطقة. وربط بين ما يجري في فلسطين ولبنان، قائلًا: "العدوان على لبنان هو عدوان على فلسطين، والعدوان على فلسطين هو عدوان على لبنان"، مضيفًا أن الاعتداء على أي بلد عربي يطال فلسطين والمنطقة العربية بأسرها.

ودعا إلى أن يتحمل رجال الدين والجاليات العربية وسائر الأفراد مسؤولياتهم في العمل من أجل عالم "أكثر إنسانية وأكثر عدلًا". وقال إن الاعتداء على حياة الإنسان وحرمانه من الحرية والكرامة والعيش في أرضه هو اعتداء على إرادة الله. ورغم انتقاده انحياز بعض الحكومات، رأى أن الرأي العام قادر على التأثير في سياساتها، لأن الشعوب تنتخب قادتها، ولأن تغيّر وعي الجمهور قد يقود إلى تغيّر مواقف الحكام.

وتطرق إلى تراجع أعداد المسيحيين في فلسطين وبلدان المشرق، عازيًا ذلك إلى التحديات والظروف والأحداث السياسية التي عصفت بالمنطقة. وقال إن المسيحيين، على الرغم من قلة عددهم، "ليسوا أقلية"، موضحًا: "نحن ننتمي لقضية، ننتمي لشعب، ننتمي للقدس". كما دعا العالم المسيحي، مع اقتراب عيد الميلاد، إلى تذكّر أن الميلاد كان في بيت لحم، والالتفات إلى معاناة الفلسطينيين. وشدد على أنه يتحدث "كإنسان ينتمي لشعب، ينتمي لقضية، ينتمي لأرض، ينتمي للقدس"، لا ممثلًا لطائفة فحسب.

وأشار حنّا إلى وجود كنائس في الولايات المتحدة أعلنت تبنّيها وثيقة "كايروس فلسطين"، وإلى المظاهرات والحراك الداعم لفلسطين، معربًا عن أمله في أن تسهم هذه الجهود في تعديل السياسات. وشدد على ضرورة ألا يستسلم المناصرون للقضية أو يتراجعوا أو يخافوا، قائلًا: "نحن ندافع عن أنبل وأعدل قضية عرفها التاريخ الإنساني الحديث".

وعن ضعف التغطية الإعلامية للندوات والفعاليات، قال حنّا إن ما وصفه بالتعتيم قد يحول دون وصول أصوات المشاركين إلى الجمهور، داعيًا كل شخص إلى أن يكون "سفيرًا لهذه القضية" من موقعه. واختتم بالتأكيد أن الاستسلام واليأس والإحباط "ليست موجودة في قاموسنا"، وحثّ الحاضرين على الثبات على مبادئهم وإنسانيتهم ومواصلة الدفاع عن الحق والعدالة.

لا نراهن على نتائج الانتخابات الإسرائيلية

وفي إجابته عن سؤال بشأن دور العرب بعد الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، قال المطران حنّا إن نتائجها "لا تبعث على التفاؤل، وإن الحزبين الكبيرين المتنافسين على تشكيل الحكومة يعبّران عن العداء للعرب والفلسطينيين ولا يعترفان بحقوقهم، ولا يرغبان في الاستماع إلى مواقفهم". وأضاف: "لا نراهن على هذه الانتخابات ولا على نتيجتها"، معتبرًا أن الواقع يتراوح بين "السيئ والأسوأ، العنصري والأكثر عنصرية".

وقال إن الرهان، بدلًا من ذلك، ينبغي أن يكون على صمود الفلسطينيين، وعلى أمة عربية تكون فلسطين في صدارة بوصلتها، وقال: "نراهن على الأحرار في هذا العالم" وعلى اتساع وعيهم بالقضية. واستشهد بما نسبه إلى وزير إسرائيلي خلال حملته الانتخابية من قوله إن ديفيد بن غوريون أخطأ حين أبقى فلسطينيين في البلاد، ورأى في ذلك "تعبيرًا عن عقلية إقصائية وعنصرية". وشدد على أن "إنكار وجود الشعب الفلسطيني لا يلغي حقه في الحياة والحرية"، مؤكدًا أن الحرية "حق وثابت من ثوابت الشعب الفلسطيني".

ما تعرض له سكان غزة يُراد له أيضًا أن ينتقل إلى الضفة الغربية

ورداً على سؤال عمّا إذا كانت الضفة الغربية تواجه نكبة جديدة أو مخططًا للتهجير والتدمير شبيهًا بما جرى في غزة، حذّر حنّا من أن سياسات الاحتلال المتصاعدة تستهدف الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس، وقال إن "ما تعرض له سكان غزة يُراد له أيضًا أن ينتقل إلى الضفة الغربية". ولم يتكهن بتفاصيل المخططات، لكنه دعا إلى تحرك عاجل قبل فوات الأوان، وإلى إرسال وفود دبلوماسية وغربية للاطلاع على الأوضاع ميدانيًا.

ووصف الوضع في غزة بأنه كارثي، متسائلًا عن دور المؤسسات الحقوقية والإنسانية في مواجهة المجاعة. وقال إن السكان يفتقرون إلى الخبز والماء والدواء والاحتياجات الضرورية للأطفال، معتبرًا أن ما يجري "وصمة عار في جبين الإنسانية"، وداعيًا العالم إلى التحرك لإنقاذ أكثر من مليوني إنسان.

أما في الضفة الغربية، فتحدث عن القيود المفروضة على الحركة، مستشهدًا بصعوبة وصول الفلسطينيين من بيت لحم ورام الله إلى القدس، رغم قرب المسافة. وروى أن شابًا فلسطينيًا في الثلاثين من عمره، من أبناء كنيسته الأرثوذكسية في بيت لحم، قال له إنه لم يزر القدس قط، وإن معرفته بها تقتصر على ما يشاهده عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. ورأى حنّا في ذلك "دليلًا على محاولات عزل القدس عن الفلسطينيين وانتزاعها من محيطها"، داعيًا إلى تحرك دولي لحماية الضفة والقدس من "السياسات العنصرية والاحتلالية".

وأكد المطران "استمرار المبادرة المسيحية الفلسطينية" وتواصلها مع الكنائس في كندا والولايات المتحدة وأستراليا وأوروبا وسائر أنحاء العالم، من أجل "موقف كنسي واضح يطالب بإنهاء الاحتلال وتحقيق العدالة ورفض ما يتعرض له الفلسطينيون".

واختتم كلمته بالتعبير عن تفاؤل قال إنه يستند إلى عدالة القضية، وإلى إيمانه بأن الظلم لا يدوم: "كل شر في هذا العالم له بداية وله نهاية". وأعرب عن أمله في "أن تثمر تضحيات الفلسطينيين ودماؤهم حريةً عاجلًا أم آجلًا"، قبل أن يعود إلى أولوية إنسانية مباشرة، قائلًا: "لما عندك إنسان جوعان، الأولوية إنك تطعمي هذا الإنسان الجوعان".

عن رفع الكوفية الفلسطينية: هذا شرف لمن يقوم به

وفي ردّه على سؤال بشأن الجدل الذي أثارته النائبة ربى غزال بعد رفعها الكوفية الفلسطينية في البرلمان، وما يرافق ذلك من ربط للكوفية بالتيار الإسلامي في كيبيك، قال المطران حنّا إن "القضية الفلسطينية ليست حكرًا على دين أو جماعة، بل هي قضية كل إنسان حر، بغض النظر عن معتقده أو دينه أو خلفيته الثقافية". وحيّا كل من يرفع الكوفية أو العلم الفلسطيني وينادي بحرية الشعب، معتبرًا ذلك شرفًا لمن يقوم به".

ودعا الكنائس المسيحية في العالم إلى رفع صوتها من أجل حرية الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن "الدعوة إلى السلام لا تنفصل عن المطالبة بالعدالة والحرية". وقال: "كيف يمكن أن يكون هناك سلام مع شعب منكوب، مع شعب جائع، مع شعب مظلوم، مع شعب محاصر؟". وأضاف أن "الدفاع عن فلسطين مسؤولية الكنائس، لأنها أرض الميلاد ومنها انطلقت المسيحية إلى العالم".

وشارك أحد الحاضرين قصة زيارته إلى فلسطين، ناقلًا عن رجل مسن في بيت لحم قوله إن الفلسطينيين لن يُقتلعوا من أرضهم، وإن أشجار الزيتون "سقيناها بالدم بدلًا من الماء". كما استعاد الحاضر تاريخ فلسطينيين يهود، مؤكدًا أن التضامن مع القضية الفلسطينية لا يتعارض مع الانتماء الديني.

الرهان على أحرار العالم

وفي مداخلة أخرى، سأل أحد المشاركين عن مستقبل الصهيونية، وعن دور المقاومة في إنهاء الاحتلال. كما دعت إحدى الحاضرات إلى أن يوجّه الحاضرون الأسئلة إلى أنفسهم بشأن ما يستطيعون فعله لنصرة قضايا الحق، معتبرة أن العلم الفلسطيني بات حاضرًا في ساحات العالم رمزًا لتحرر الشعوب. وطرحت مداخلات أخرى أسئلة عن الانقسامات الفلسطينية، ومواقف أتباع الديانات من الإبادة في غزة، وما يمكن أن تفعله الكنائس لمساندة الفلسطينيين.

وفي معرض الرد، شجّع حنّا الزيارات الميدانية إلى فلسطين، داعيًا الوفود القادرة على السفر إلى زيارة المدن والمخيمات ومواقع الاعتداءات، وقال إن "معاينة ما يتعرض له الفلسطينيون أبلغ من أي خطاب". مضيفًا: "في هذا العالم هنالك تحريض على الفلسطيني. تارة يصفوننا أننا إرهابيين وتارة يصفوننا أننا قتلة ومجرمين. نحن لسنا إرهابيين ولسنا قتلة ومجرمين، نحن ضحايا".

وروى أن أحد المشاركين في وفد أميركي زار القدس وبيت لحم وقف أمام جدار الفصل العنصري، وقال إنه أدرك عندها حجم الظلم والقمع الواقع على الفلسطينيين. وأشار كذلك إلى زيارات تضامنية من كندا والولايات المتحدة وأستراليا، شارك أفراد منها في قطف الزيتون ووثّقوا اعتداءات المستوطنين لنقلها إلى بلدانهم وحكوماتهم.

كلمة الاستسلام ليست موجودة في قاموس الإنسان الفلسطيني

ووصف حنّا صمود الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم ورفضهم الاستسلام بأنه شكل من أشكال المقاومة، مؤكدًا أن الفلسطينيين "مدرسة في الوطنية، ومدرسة في الإنسانية، ومدرسة في الثقافة". كما دعا الجاليات العربية والفلسطينية والمرجعيات الدينية وسائر المقيمين في كندا إلى إيصال صوت الفلسطينيين، وقال إن رفع العلم والكوفية تضامنًا معهم يستحق "المحبة والاحترام والثناء والوفاء".

وعن الانقسام الفلسطيني، رأى أن عوامل وجهات خارجية تؤججه وتستفيد منه لإضعاف الفلسطينيين والعرب، قائلًا: "هنالك جهات خارجية هي التي تؤجج هذه الانقسامات، وهي التي تريد للفلسطينيين وللعرب أيضًا أن يكونوا منقسمين على أنفسهم لأن الانقسامات تضعف الحالة الفلسطينية، وتضعف الشعب الفلسطيني"، داعيًا إلى تجاوز الخلافات وتعزيز الوحدة والأخوّة بين مكونات الشعب الفلسطيني. وقال إن الانقسام لا ينسجم مع عدالة القضية ولا مع تضحيات الفلسطينيين.

ورفض حنّا وصف المسيحيين الفلسطينيين بأنهم متضامنون مع القضية فحسب، قائلًا: "هذه القضية قضيتنا". وأضاف أن العدوان يستهدف المسلمين والمسيحيين، كما يستهدف المساجد والكنائس، وأن التضامن مع فلسطين هو تضامن "مع إنسانيتكم، مع قيمكم ومع أخلاقكم". وختم بالتأكيد أن الفلسطينيين أصحاب الأرض والقضية العادلة، وأن "كلمة الاستسلام ليست موجودة في قاموس الإنسان الفلسطيني". 

معرض الصور