صدى اونلاين ـ مونتريال
في لقاءٍ ثقافي حاشد احتضنته مونتريال عند السادسة من مساء الاحد في الرابع عشر من شهر شباط ، احتفت جمعية آفاق العربية الثقافية بتوقيع كتاب "قبل أن تغيب الشمس" للدكتور علي منير حرب، وسط حضورٍ من مثقفين وإعلاميين وأكاديميين واعلاميين وشخصيات عامة. وجاءت الأمسية، لتؤكد أن الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا في المهجر، بل “نظام مناعة” يحمي الإنسان عندما تتراجع السياسة، ويحفظ اللغة والذاكرة عندما تتصدّع الحدود. وتحوّل حفل التوقيع إلى منصة شهادات وقراءات تناولت الكتاب بوصفه تنبيهًا قبل الغروب، ودعوة إلى استعادة دور المثقف واللغة العربية في زمن التحولات، مع رسالة متكررة: نقل التجربة والثقافة إلى أبنائنا باللغة العربية كي يحملوا هذا التراث ويحافظوا عليه.

الثقافة حين تفشل السياسة
افتتح رئيس جمعية آفاق الثقافية الأستاذ وليد حديد الأمسية بكلمةٍ حملت نبرة فكرية واضحة، ورسمت الإطار العام للقاء قبل الدخول في تفاصيل الكتاب. استهلّ حديثه بفكرة محورية اعتبرها "بداية الحكاية": حين تفشل السياسة ويفشل القادة في حماية الأوطان، تتقدّم الثقافة لتحمي الإنسان. وحين تتمزق الجغرافيا، قال، تبقى اللغة وطنًا والذاكرة جذورًا، ويغدو الأديب “حارس الهوية”، خصوصًا في الاغتراب، لأن أديب المهجر لا يعيش خارج الوطن بل يحمله في كلماته ويدافع عنه بالمعنى حين تضيع الحدود.
ولم يتعامل حديد مع حفل التوقيع بوصفه مناسبة عابرة، بل وصفه امتدادًا لرسالة جمعية آفاق في تعزيز الهوية العربية في المهجر عبر الثقافة والفن، وجمع أبناء الجالية حول مشروع فكري وإنساني مشترك. واعتبر أن حضور الجمهور نفسه يحمل رسالة واضحة: الثقافة ليست ترفًا، والكتاب لا يزال قادرًا على جمع الناس، والكلمة ما زالت مساحة نور في زمن “تتكاثر فيه العتمات”.
ثم انتقل إلى مضمون الكتاب، مؤكدًا أن الدكتور حرب لا يكتب من موقع الرثاء بل من موقع التنبيه، وأنه لا يكتب “بعد الغروب” بل قبل الغروب. وشرح حديد أن الكتاب يتحرك في ثلاث دوائر أساسية:
- الإنسان قبل الحدث: ماذا يفعل الواقع في داخلنا؟ وماذا يتآكل من قيمنا بصمت؟ وكيف نحافظ على إنسانيتنا وسط سرعة التغير؟
- الوعي قبل الانقسام: دعوة إلى التفكير النقدي وهدوء العقل ومقاومة الانجراف خلف ضجيج الشعارات.
- الضوء قبل الغياب: عنوان يحمل تحذيرًا وأملًا معًا؛ ما زالت هناك فرصة، والثقافة قادرة ـ إن أحسنّا فهمها ـ على “تأخير الغروب”.
وتوقف حديد عند تعريفه للثقافة باعتبارها ضرورة دفاعية لا مجرّد نشاط جمالي، قائلاً بمعنى مباشر إن الثقافة هي "نظام المناعة للمجتمع"؛ عندما تضعف القيم وتضيع البوصلة تصبح الثقافة شرطًا للحماية، لأنها تزرع القيم وتنزع ألغام الكراهية والحروب.
وفي جانب تنظيمي لافت، أعلن حديد عن ثلاث خطوات ثقافية تعمل عليها الجمعية: إصدار العدد الأول من مجلة "جسور عربية" في الأول من نيسان، وإطلاق مركز لتدريس اللغة العربية والخط العربي مع إعلان تفاصيله قريبًا، والتحضير لإطلاق مهرجان أدبي سيُكشف عنه لاحقًا. وبدت هذه الإعلانات في سياق الأمسية محاولة لربط الاحتفال بكتاب واحد بمشروعٍ مؤسسي أوسع هدفه تثبيت العربية كهويةٍ حية لا كذكرى.
قراءات وشهادات: الكتاب كرحلة وصرخة ومرآة للمهجر
توالت كلمات المشاركين التي قدّمت قراءات متعددة للكتاب فقالت الأديبة بدور عبد الباقي العطار إن اللقاء لا يدور حول كتاب فحسب، بل حول فكرة تعيد للإنسان حقه في التفكير والبحث عن الضوء وسط ضجيج يزداد فيه الفراغ. واعتبرت أن «قبل أن تغيب الشمس» مشروع فكري يوقظ السؤال ويؤكد أن الثقافة ضرورة أخلاقية لا ترفاً. وروت كيف نشأت علاقتها بالدكتور علي حرب من موقف إنساني وصدق نقدي، حين قرأ عملها بلا مجاملة، مؤكداً أن الأفكار تتكامل لا تتصارع. وختمت بأن الكتاب تحذير ونداء للاستيقاظ قبل أن يصبح الغياب عادة

الأستاذ حبيب زعرور بعد تحية دمشقية اعتبر أن “قبل أن تغيب الشمس” رحلة غنية تنتقل بالقارئ بين مؤتمرات وقضايا وأبحاث وحوارات وندوات، وأن المؤلف حمل “هموم الهجرة والاغتراب وآلام اللغة”، دون أن يغفل جيل الشباب وتحديات الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي بين الحقيقة والخيال، ولا حضور المرأة ودورها الثقافي. وفي قراءته، شدد زعرور على أن الثقافة ليست موروثًا جامدًا، بل أخلاق ومعرفة وممارسة، وأنها خشبة خلاص “تزرع بذور القيم وتنزع ألغام الكراهية والحروب”.
اثنى النائب زياد أبو لطيف على صاحب المناسبة الدكتور علي حرب، وعلى المنظمين والمشاركين، وقال إن العنوان ذكّره بزحلة وبشعر خليل مطران، لكنه عند تصفحه الكتاب وجد فيه ثقافة وأملًا لا يشبهان “الغروب”، بل صورة خصبة تشبه غطاءً يروي سهل البقاع بالخير والمطر. وأوضح أن ضخامة الكتاب تجعل اختصاره صعبًا، فاختار تكريم المؤلف بقَصيدة زجلية من وحي المناسبة.
أما الأستاذ محمد إقبال حرب فركز على رمزية العنوان، مشبّهًا الثقافة بالشمس، وأن الغياب الثقافي ليس مجرد أفولٍ جمالي بل تهديد للضمير الإنساني. وأشار إلى أن الكتاب يضم فصولًا عديدة يصعب الإحاطة بها في دقائق، لكنه توقف عند محاور تخص الاغتراب والهوية، وتمييز المؤلف بين الوطن والدولة، حيث يصبح الوطن مكانه القلب والوجدان والضمير، فيما الدولة وسياساتها خارج هذه المناطق “الدافئة والحميمية”.

وشارك الأستاذ أسامة أبو شقرا ، الذي قدّم للكتاب ، بقراءةٍ موسعة أوضح فيها أن عنوان الكتاب قد يوحي لأول وهلة بالتشاؤم، لكنه سرعان ما يتبدد حين يشرح المؤلف أن المقصود “شمس المعرفة والثقافة”. واعتبر أبو شقرا أن الكتاب ليس للمتعة وحدها بل هو غذاء للمعرفة ومحاولة لإعادة الاعتبار لموقع الثقافة ودور المثقف، ودعوة لاستنهاض المثقفين لاستعادة “المشعل” الذي تركوه طوعًا أو انهزامًا أو تزلّفًا.
ومما جاء في كلمة ابو شقرا " «قبل أن تغيب الشمس» كتابٌ صاغه، صديقي «علي»، حاملا على مَنكبيه همومَ الوطنيّ، الذي حرمته الهجرة استعادة ذكريات طفولته بين الحارات والأزقة التي كان أديمها مرتعًا له ولأترابه على مدى سنوات البراءة، وهمومَ مربِّي ومعلّم الأجيال في المدرسة والجامعة، وهمومَ الإعلاميّ في تنشئة الأطفال على شاشات التلفزة، وهمومَ أبِي الثقافة وحاملِ لوائها، لا خوفًا عليها فقط، بل على الإنسانية جمعاء، لأنّها أوّلُ وأهمّ دعائم السلم والسلام العالميين، وهمومَ العربيّ الذي يرى بعينين ممتلئتين بالأسى وخيبة الأمل، الكثيرينَ من أبناء جلدته، يُديرون ظهورهم للغتهم التي يعشقُها، ويتجاهلون قواعدها ويُنكرون عليها ما قدّمت لهم وللعالم أجمع من الأعمال الحافظة والحامية للحضارة والعلم والثقافة.
هو ليس كتابًا لمتعة المطالعة فقط، بل هو غذاءٌ لإشباع نهَم المعرفة، و«محاولةٌ لإعادة الاعتبار إلى موقع الثقافة ودور المثقّف في الحياة. وهو دعوةٌ لإعادة النظر في الكثير من المفاهيم المتعلقة بالثقافة والمثقّفين. ودعوةٌ لاستنهاض المثقّفين لاستعادة المَشعلِ، الذي تركوه طوعًا أو انهزامًا أو تزلّفًا، بأيدي بعضِ المستثمرين من أهل الاقتصاد، والسياسة والدين والإعلام."

السفير جاسم مصاول
قدّم السفير جاسم مصاول قراءةً موجزة في كتاب «قبل أن تغيب الشمس»، معتبرًا أنه ليس مجرد دراسة فكرية، بل نص نقدي يحاول فهم ما أصاب الثقافة العربية ودور المثقف في زمن التحولات. ورأى أن أزماتنا السياسية والاجتماعية انعكاس لانهيار الدور النقدي للثقافة، وأن السؤال الصادم الذي يطرحه الكتاب هو: أين المثقفون العرب؟ وتوقف عند اللغة العربية بوصفها ذاكرةً ثقافية حيّة.
وختم بالقول " تقدّم قراءة كتاب " قبل أن تغيب الشمس" تشخيصًا عميقًا لأزمة الثقافة العربية وأزمة المثقف في آن معًا. ففي مواجهة سلطة قمعية ونخب عاجزة، تبقى اللغة العربية القلب الحي للهوية، لكنها مهددة بالتهميش إن لم يُستعد دورها المركزي.
واضاف مصاول " يدعو الكتاب إلى تجديد الثقافة عبر قراءة نقدية للتراث، وتحرير الخطاب من الخرافة والانغلاق، وبناء توازن واعٍ بين الأصالة والانفتاح. فمستقبل الثقافة العربية، كما يخلص النص، مرهون بقدرتها على استعادة دورها الإبداعي والإنساني، والانخراط في الحداثة بوعي، يعيد للعقل العربي فاعليته في إنتاج المعنى والمساهمة في الحضارة الإنسانية".

الشاعرة هتاف السوقي صادق
تحت عنوان مجدُ النهج القت الشاعرة الكبيرة هتاف صادق السوقي جاء فيها
عالٍ كما المجد ، حدّث واحضنِ القمما
يا( نهجُ) بلّغ عليًّا واحتفل علما
نهجُ الفصاحة في عينيه بحرُ فضًا
فاقطف نجومًا وجالس شمسَهُ حَرَما
بابُ المدينةِ باب العلم حارسها
لِمْ قال فيهِ نبيُّ الله محتكما
وذو الفقار مدى حدّيهِ ملحمةٌ
حدٌّ يصول وحدٌّ سنَّه قلما
أكرم بنهجِ عليٍّ شاد منزلةً
حيّوا عليًّا بمجدِ النهجِ مُتَّسِما
_
أهلُ المكارمِ ، أهلُ الضاد ، أهل حمًى
أهل البلاغة في التعريف قل: عُظما
نعم: لمن جنّد الأقلام طائعةً
لكي تخطَّ بما جادتْ به حكما
جئناكَ نغرف من نبعيْكَ غَرْفَ نهًى
نبعُ المربي ونبعٌ أمَّم الأمما
دمتَ الأمين على عهدٍ قسمتَ بهِ
أن تجلوَ الضاد في النبعين رِفدَ سما
_
أخي: أخاف على عصرٍ يناوئنا
المبلسونَ على أحقادهم ذِمما
يجتاحنا الرجسُ من أوكارهم حسدًا
وعينُ ثعلبةٍ تستافنا قيما
فالسارقون خميرَ الأرض حين ربتْ
واهتزَّ فيها ثمارٌ واجتنت نِعما
والسائدون على أرواح برَّحها
سوطُ السجون وما أدراك ما جثما
أخي: يغالبني قهري وقيدُ دمي
باتت عروقي حدودي تُلصِقُ التُّهما
يا أمتي.. جسدي.. والقلبُ منقسمٌ
وما تداعى لهُ عضوٌ بهِ عَلِما
_
أعودُ منكَ إليكَ الآن يا وطني
عروسَ شعرٍ تُضاهي في الفلا نُجُما
فأنثرُ النورَ من لألاء قافيتي
تراقصُ الكونَ سحرًا هلَّ وارتسما
لبنانُ تاجي وأرزُ الربِّ حارسُهُ
من صلبهِ الحرف طاف الكون ، فانتظما
حلّق فديتُكَ لبنانَ الحبيبَ غوًى
أنت الزرعتَ بذورًا فاحصدِ الشمما
السفير مسعود معلوف
أكد السفير مسعود معلوف أن الكتاب شدّه حتى قبل قراءته لسببين: وصوله إليه في بيروت عبر صداقة ولّدها الكتاب نفسه، ووجود اسم أسامة أبو شقرا على الغلاف مقدّمًا له. ووصف الدكتور علي حرب بصديقٍ قديم يملك العربية والثقافة بعمق، ويرى أن كتابه لا ينحصر في جنس أدبي واحد، بل يجمع بين السيرة والتاريخ والفكر، مع تركيز خاص على اللغة العربية وفرادتها وتطورها وعالميتها. كما لفت إلى تناول الكتاب لموضوع الذكاء الاصطناعي بميزاته ومخاطره، وإلى أن فصوله تجمع محاضرات وأبحاثًا تعكس سعة اطلاع المؤلف وحرصه على الإنسان والثقافة.
ماهر حرب
جاءت كلمة ماهر حرب نجل المؤلف، التي أعطت الحدث بعدًا عائليًا وإنسانيًا ورسالة تربوية واضحة. وقال ماهر علي حرب إن الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية، بل وثيقة إنسانية صادقة تجسد رحلة حياة بدأت من لبنان وتنوعت بين محطات قبل الاستقرار في كندا. واستعاد بدايات العائلة في بلد جديد وثقافة مختلفة، حيث لم يكن الأمان مرتبطًا بالمكان بقدر ما هو مرتبط بالإنسان والرابطة التي تجمع الأسرة.
ثم ركّز على المعنى الذي يشكل صلب رسالة الأمسية بالنسبة للجالية: اللغة العربية جسر يربطنا بجذورنا. أوضح أنه لم يدرك عمق تعلق والده بالعربية إلا حين أصبح له أبناء، ففهم أن اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل هي الوعاء الذي يحمل الذكريات والقيم ويُبقي الانتماء حيًا في الأبناء مهما ابتعدت المسافات. وتحوّلت كلمته إلى دعوة صريحة لتجديد العلاقة بالعربية في بيت المهجر، لا كحنينٍ عابر، بل كمشروع توريث ثقافي للأجيال.
الدكتور ربيع الدبس: «قبل أن تغيب الشمس»… دعوة لليقظة لا للتشاؤم
في كلمته بحفل توقيع «قبل أن تغيب الشمس»، شدّد الدكتور ربيع الدبس على أن العنوان لا يحيل إلى غروبٍ قاتم، بل إلى لهبٍ خلّاق يوقظ الوعي ويقاوم النسيان. ورأى أن الأدب الحقيقي ليس ترفًا ولا “محفوظات”، بل طاقة حيّة تتخمّر في صاحبها وتتحول إلى قوة مُبدعة، تكتب لتُنبّه لا لتُريح، لأن الوعي يتشكّل عبر الألم والمسؤولية. وانطلق في تقديمه للدكتور علي حرب من عمق التجربة الإنسانية والثقافية، معتبرًا الثقافة “بوصلة لا محطة” وزرعًا عضويًا قائمًا على الأسئلة الكبرى. وتوقّف عند محاور الكتاب: الاغتراب والهجرة بوصفهما رافدًا للتلاقح الحضاري، وأولوية الوطن على الدولة، ونموذج كندا في حماية الحقوق والحريات. كما أكد مركزية العربية بوصفها “أطلس الوجود”، محذرًا من تراجع المعرفة وما ينتجه من إسفاف، خاتمًا بأن الكتاب شهادة على كاتبٍ “متمرس بوقار القلم” في زمن تراجعت فيه قيمة الكتابة.
ومما قاله " لقد تأثرتُ عميقاً بشرارات وجدانية تُزمجر بين ثنايا الكتاب، بينها ما ورد للأديب الفلسطيني ابراهيم نصرالله عام 2024 ضمن مقال جاء فيه: "إن الموت، كسؤال وجودي، لا يمكن أبداً أن يكون سؤالاً وجودياً غير مُبْتلّ بالموت اليومي الفلسطيني. كل ما في الأمر هو المستوى الذي يتم التعبير فيه عن وردةٍ أو نافذة لم ترَ الشمس مذ أهالوا عليها سقف البيت، أو طفلةٍ جمعوا أشلاءها عن حجارة الطريق وبقايا الشجر المحترق".ونحن نجزم أنّ في الكتاب، المُجَنّحة سطوره بألوان الشمس أو بأفيائها الضرورية للحياة، ما يَشِي بأن رحلة الإنسان الاعتبارية تبدأ به لا بما فُرضَ عليه. إذْ ذاك يكون هو مهندس مستقبله لا عبد ماضيه. فلا حجلُ الوقت يَكْرج به عن المقاصد العليا ولا هوامشُ الحياة تصطاده مِن أغوارها. مِن هنا القول الفصل للمؤلف في مقدمته، إن الكتاب إذا "لم يؤدِّ الغرض في ما هدفتُ إليه، فعذري أنني اجتهدتُ وحاولت أن أرفع جداراً بسيطاً في بناء المدينة المثقفة". كأنه، في ملحمة الحياة سعياً وصبراً، يحذو حذو المتصوف الاستثنائي شمس الدين التبريزي القائل: "ماذا يعني الصبر؟ إنه يعني أن تنظر الى الشوكة وترى الوردة، أن تنظر الى الليل وترى الفجر".
مسك الختام: كلمة الدكتور علي حرب
في كلمته الختامية، اختار الدكتور علي منير حرب مسارًا مختلفًا: لم يتحدث عن كتابه بوصفه مادة للشرح، بل قال ما معناه إن الكتاب سيحدث القرّاء عن نفسه حين تضمّه أياديهم، خصوصًا بعد أن سمع كيف أحاط به القرّاء والمتحدثون “إحاطة العقد الماسي بالجيد العاجي”. وبدل أن يقدّم عرضًا تقليديًا لمحتوى الكتاب، قدّم خطاب امتنان موسعًا بدأه بتحية “إكبار وإجلال” للقراءات التي رآها تتجاوز قدرته على استخراجها وحده، مشيرًا إلى أن المتحدثين اكتشفوا في صفحات الكتاب شواطئ لم يكن يظن أنه سيبلغها حين كان “يعارك أمواج الكتابة”.
ثم انتقل إلى شكرٍ تفصيلي حمل اعترافًا بدور الأشخاص والمؤسسات في إنجاح اللقاء:
- شكر وليد حديد بوصفه راعي الحفل والمبادر لتنظيمه وتوفير الطاقات لإنجاحه منذ ولادة الفكرة حتى التنفيذ، مرورًا بالإعلان وحجز القاعة.
- شكر الإعلامي فكتور دياب واصفًا إياه بصوت الحضور الثقافي وصورته المتألقة، وبأنه مثال للجندي اليقظ المتقن لغةً وصياغةً وأداء.
- شكر الفنان إدي بندلي على إسهامه في تلوين اللقاء بروح الطرب الرفيع، واعتباره الفن جزءًا من مقام الثقافة العالية.
- وتوجه بالشكر إلى الحضور أفرادًا وجمعيات، معتبرًا أن اجتماعهم دليل على أن الثقافة ما زالت بخير وقادرة على مواجهة محاولات التسطيح والتخدير.
وفي جانبٍ شخصي، أفرد الدكتور حرب مساحة واسعة للحديث عن أسرته، مؤكّدًا أن نجاحه في الكتابة يعود ـ بعد عون الله ـ إلى بيئة أسرية أتاحت له صفاء القدرة على الإنجاز، وأن الكتاب لم يُكتب بقلمه وحده بل بمساندة زوجته وأبنائه ومحبتهم. وخصّ زوجته لينا بإشادة قوية واصفًا إياها بالحارسة الساهرة على أسوار الأسرة، وبأنها تكفلت بهموم العائلة ومنحته القدرة على التفرغ للكتابة، معتبرًا أن قرارها بالمجيء إلى كندا كان محطة مفصلية وفّرت للعائلة فرص العيش الكريم والنجاح والاستقرار. وختم بأنه أمام كل هؤلاء "ينحني شكرًا ومحبة".
في الختام لم يكن “مهرجان توقيع” كتاب «قبل أن تغيب الشمس» مجرد مناسبة احتفالية، بل بدا ـ وفق ما عبّر عنه المتحدثون ـ مساحة لإعلان موقف ثقافي: الثقافة حصنٌ للهوية، واللغة وطنٌ حين تتبدّل الجغرافيا، والكتاب ما زال قادرًا على جمع الجالية حول معنى مشترك. وبين تأكيد وليد حديد أن الثقافة تتقدم لحماية الإنسان عندما تفشل السياسة، وتأكيد ماهر حرب أن العربية جسرٌ للأبناء كي يحملوا التراث، ورسالة علي حرب بأن الكلمة الأمينة نورٌ وخيرٌ وبركة، خرجت الأمسية بخلاصة واحدة: لا مستقبل للذاكرة في المهجر من دون لغة تُورَّث، وثقافة تُصان… قبل أن تغيب الشمس.
9 مشاهدة
17 فبراير, 2026
21 مشاهدة
17 فبراير, 2026
99 مشاهدة
16 فبراير, 2026