Sadaonline

حين يصبح البيت حلماً.. النبطية بين وجع الدمار ورهان عودة الدولة

اسرائيل الكبرى هي الهدف الجيوسياسي للهيمنة والتوسع ، وهذا كله إن تحقق ( لا سمح الله ) سوف يعيد ترسيم الخرائط والسيطرة الإقليمية المطلقة لصالح اسرائيل

لطيفة الحاج قديح - مونتريال

ليس أقسى ولا أبشع من أن يرجع الإنسان إلى بيته بعد مشقة وتعب ليجد أن ذلك البيت الذي أسسه بعد جهد ، قد دمر او أحرق أو نهب عن بكرة أبيه .
ذلك البيت الذي يقضي الإنسان ردحا من الزمن بالكد والتعب والعمل المضني كي يؤسّسه …والبيت ليس مجرد أعمدة وجدران وسقف ، بل هو أكثر من ذلك بكثير وهو نعمة لا يعرف قدرها إلا فاقدها: الملاذ الآمن الذي يجد فيه الإنسان الهدوء والاطمئنان وهو مصدر المودة والرحمة والاستقرار العاطفي والنفسي في خضم مشاكل الحياة التي لا تنتهي. وهو ساتر العورات ، ومن هنا جاء المثل العامي " يا بيتي يا بويتاتي يا مستر لي عيوباتي " . ويأمل الإنسان أن يكمل حياته في بيته الذي بناه بعرق جبينه، ولا يتركه إلا في رحلته الى مثواه الأخير . ومن المعروف انه من الصعب على معظم البشر تأسيس أكثر من بيت على مدار رحلة العمر ، ولا نستغرب خاصة إن علمنا ان أكثر من ثلاثمئة مليون ( 300 مليون ) إنسان في العالم يعانون من التشرد ولا يملكون مأوى لهم .
وما يحدث اليوم في منطقة الشرق الأوسط ولا سيما في لبنان وفلسطين واليمن وسوريا وغيرها من دول المنطقة من قصف و تدمير ليس سوى جزء من مخطط كبير يسعى الى ما يسمى " الفوضى الخلاقة" التي كانت أول من بشرتنا بها مستشارة الامن القومي الاميركي " كونداليزا رايس " ووزير الدفاع الأميركي الأسبق " دونالد رامسفيلد " وآخرين ، عندما وصف " رامسفيلد" إحداث للفوضى في العراق في العام 2003 بأنها " ايجابية وخلاقة وواعدة بعراق جديد" . وهذه الفوضى ليست سوى اداة استراتيجية لهدم البنى القائمة في المنطقة العربية ، بينما اسرائيل الكبرى هي الهدف الجيوسياسي للهيمنة والتوسع ، وهذا كله إن تحقق ( لا سمح الله ) سوف يعيد ترسيم الخرائط والسيطرة الإقليمية المطلقة لصالح اسرائيل التي تصبح قائدة مطلقة الصلاحية من دون اي منافس .
ومن هنا نفهم لماذا يسعى العدو الى التدمير والتفجير والجرف ، ويسعى إلى تضخيم الأحداث ، كما حصل في موضوع تلة "علي الطاهر " التي اصر على تفجيرها مستخدما اكثر من 1100 طن من المتفجرات ، وتقع التلة شمال نهر الليطاني على ارتفاع نحو 600 الى 700 متر وتطل كليا على مدينة النبطية وإقليم التفاح ، فهي تعد خط النفاذ نحو القطاع الممتد من نهر الزهراني الى نهر الآولي ( المعقل الأخير لحزب الله اللبناني المقاوم) ما يتيح للمسيطر قدرة التحكم والرصد الناري الواسع على مدينة النبطية ومحيطها .
وتقع النبطية شمال نهر الليطاني وعلى مسافة غير بعيدة من الحدود مع إسرائيل ، ويحيط بها ما يزيد عن 56 قرية ( حسب بعض الإحصاءات التاريخية) وقد شكلت لعقود خلت مركز الثقل السكاني والتجاري والإداري والسياسي لجزء واسع من الجنوب اللبناني ، وهي حلقة وصل ما بين القرى الحدودية والساحل والبقاع وبيروت . وبالفعل قام العدو بتعريض المدينة كلها ومحيطها للتدمير شبه الكلي . وعندها بدأت وسائل الإعلام المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي بالحديث عن قرب احتلال جيش العدو للمدينة بعد سيطرته على تلة علي الطاهر ، وبعد مواصلته القيام بالمجازر ( آخرها مجزرة راح ضحيتها ١٢ فردا من أسرة واحدة في منطقة كفر زمان المحازية لمدينة النبطية) ما تسبب بموجة نزوح جديدة . عندها برزت دعوات من الاهالي ( حوالي 400 توقيع ) منهم أطباء ومهندسون ومحامون ومصرفيون وإعلاميون وأكاديميون وكتاب وناشطون و النائب فراس حمدان ، وغيرهم ، تحت عنوان " انقذوا عاصمة جبل عامل وحاضرته التاريخية" وهؤلاء يطالبون بتدخل الدولة وإرسال الجيش اللبناني فورا إلى النبطية ،
وقد جاءت الزيارة المفاجئة ( غير المعلنة) لرئيس الجمهورية اللبناني "جوزيف عون" برفقة قائد الجيش "رودلف هيكل" وقادة الأجهزة الأمنية لمدينة النبطية ، بمثابة رشة ماء باردة لمن يمشي في رمال ال صحراء الحارقة من دون مظله تحميه او نعل يقيه حر ارة الرمال ، وهي ( الزيارة) وان حملت طابعا استعراضيا ، ولو كانت مرفوضة من حزب الله المقاطع ، فهي مهمة جدا حيث تشي بالمؤازرة وبوقوف الدولة إلى جانب الأهالي: " لن نترككم أبدا" كما تعلن عن حق ابن الجنوب بالعيش بأمان وبحقه بإعادة بناء منزله الذي تهدم أكثر من مرة ، وانه لن يهدم ثانية . واعتبر عون أن " انسحاب إسرائيل وعودة الأسرى كما عودة النازحين وإعادة الإعمار هي ثوابت وطنية تلتزم الدولة بالعمل على تنفيذها ، وهي هدف واحد للجميع لا أحد يختلف بشأنه " .
وانا كواحدة من ابناء مدينة النبطية المتضررين، يهمني كما يهم كل مواطن شريف انتشار الجيش اللبناني في المنطقة و تأكيد سيادة الدولة في الجنوب اللبناني كله ، فعسى ان تستمر مساعي الخير هذه وتؤتي أكلها، وغدا لناظره قريب …

*روائية، باحثة ، وناقدة