Sadaonline

النجف وقم، هندسة التاريخ

النجف وقم ليستا خصمين كما يُصوَّر أحيانًا، بل صورتان لتقليد واحد تجلّى في بيئتين مختلفتين

د. إسماعيل الحاج علي - غاتينو

في الوعي الشيعي، لا تُقرأ بعض الوقائع الكبرى بوصفها أحداثًا عابرة، بل بوصفها حلقات في مسار أعمق تتداخل فيه حركة الإنسان مع العناية الإلهية. ومن هذا المنظور، لم تكن رحلة السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام لزيارة أخيها الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل لحظة تأسيسية في هندسة التاريخ الشيعي؛ إذ تحرّكت الأخت نحو الإمام، فتوقفت الرحلة في قم، ليتحوّل التوقف إلى مقام، والمقام إلى مركز جذب، ثم إلى واحدة من أهم عواصم العلم الشيعي. وكأنّ الحدث الشخصي انفتح، عبر الزمن، على وظيفة حضارية أوسع: حفظ الامتداد العلمي والروحي للتشيع في مرحلة مفصلية من التاريخ. ومن هنا لم تكن قم طارئة على الجغرافيا الدينية، كما أنّ النجف لم تكن مجرد مدينة تحتضن مرقدًا، بل موضعًا تحوّل فيه جوار الإمام علي عليه السلام إلى مدرسة كبرى في الفقه والاجتهاد وصناعة المرجعية.

وحدة التجلّي
النجف وقم ليستا خصمين كما يُصوَّر أحيانًا، بل صورتان لتقليد واحد تجلّى في بيئتين مختلفتين. النجف راكمت سمعة العمق العلمي والدقة الأصولية وصناعة المجتهد، بينما راكمت قم قدرة أوسع على التفاعل مع الدولة والمجتمع والثقافة وأسئلة العصر. ومن أسرار المدينتين أنّهما لم تقوما فقط على الأبنية والهياكل، بل على ما يمكن تسميته “اللانظام المنضبط”: مرونة في التكوين، حرية علمية، وهيبة تُبنى بالكفاءة لا بالألقاب، وشرعية تنشأ من العلم لا من الجهاز. لذلك بقيتا حيّتين رغم تبدّل الدول والأزمنة. والتحدي اليوم ليس أيهما أقوى، بل هل تستطيعان حفظ هذا السرّ في عصر السرعة والذكاء الاصطناعي والدولة الحديثة؟ المستقبل يحتاج إلى عمق النجف، واتساع قم، وتنظيم يحفظ الروح بدل أن يقتلها. فإذا نجحتا بقيتا مركزين يصنعان المعنى، وإذا فشلتا تحوّلتا إلى أسماء كبيرة بلا أثر كبير.

دمتم في رعاية الله والسلام