Sadaonline

اقتصادي استيقظ فجأة داخل ثوب كولونيل

أعلن كارني أن كندا ستتحرر من التبعية العسكرية للولايات المتحدة، وستبني سلسلة توريد دفاعية محلية

د. علي ضاهر

استيقظ مارك كارني ذات صباح على صفعة وعي باردة تشبه شتاء كندا: كندا تتقن فن الاعتذار أكثر مما تتقن فن إطلاق النار. اكتشف فجأة أن بلاده، التي طالما تفاخر أهلها بدبلوماسيتها وقوات حفظ السلام، تملك جيشاً محدوداً، ومعدات تحتاج ربما إلى قوات إنقاذ قبل أن تستخدم في المعارك، وميزانية دفاع يمكن وضعها في جيب معطف شتوي من ماركة "كندا غوس"، مع ترك مساحة كافية لعلبة علكة.

بالنسبة لرجل أمضى حياته يحرك المليارات ببرودة أعصاب مصرفي، كان هذا الاكتشاف مزعجاً. كيف يمكن لدولة بحجم كندا أن تكون بهذا الضعف العسكري؟ وكيف يمكن لرجل أدار اقتصاد دولتين كحاكم لمصرفين مركزيين أن يقبل بأن بلاده لا تملك ما يكفي من القوة الصلبة؟ نظر إلى المرآة، فرأى المصرفي الذي يعرفه الجميع. لكنه ربما تخيل وراء البدلة ربطة عنق عسكرية مخفية. تساءل: هل يعقل أن يكون قادة آخرون، ممن يهزون العالم بتغريدة عابرة أو قرار متهور، قد فهموا اللعبة أكثر مني؟ وفي لحظة تجلٍّ، قرر أن يخلع بدلة الاقتصادي ويرتدي بزّة كولونيل لم يخدم يوماً في الميدان، لكنه قرر أن يعيش دورها. وهكذا وُلد "الكولونيل كارني". 

تقمّص الرجل الشخصية بسرعة، وبدأ يتصرف وكأنه يقود جيش "أبو زيد الهلالي". أول خطوة كانت: شراء اثنتي عشرة غواصة! لماذا اثنتا عشرة؟ لا أحد يعرف. لكن الأرقام تمنح القرارات السياسية هيبة خاصة. فالرقم 12 يحمل دائماً شيئاً من القداسة في مخيلة البشر: اثنا عشر شهراً، اثنا عشر برجاً، اثنا عشر تلميذاً. وربما اثنتا عشرة غواصة تجعل المواطن يشعر أن أمراً عظيماً يحدث، حتى لو لم يعرف أين ستبحر هذه الغواصات ومتى! أما الفاتورة، فقد تصل إلى خمسة وعشرين مليار دولار، وربما أكثر، لأن المشاريع الحكومية الكبرى لديها موهبة غريبة: تبدأ برقم، ثم تنتهي برقم آخر أكثر إثارة للقلق! إذ من سيدفع الثمن؟ الضرائب؟ تقليص الخدمات؟ زيادة الدين العام؟ لا أحد يملك جواباً واضحاً، لكن الحكومات تملك دائماً قاموساً جاهزاً لتهدئة المواطن: استثمارات، وظائف، نمو اقتصادي، عوائد مستقبلية. كلمات جميلة تجعل الفاتورة تبدو كأنها هدية ملفوفة بورق فاخر. لكن المواطن الكندي يعرف أن بعض الهدايا الحكومية تشبه الهدايا التي تأتي مع فاتورة لاحقة!

ثم أعلن كارني أن كندا ستتحرر من التبعية العسكرية للولايات المتحدة، وستبني سلسلة توريد دفاعية محلية. فكرة جذابة سياسياً، خصوصاً في بلد لديه حساسية تاريخية تجاه الجار العملاق جنوب الحدود. لكنها تشبه رجلاً أمضى عمره يطلب الطعام عبر "أوبر إيتس"، ثم استيقظ فجأة ليعلن أنه سيفتح مطعماً فاخراً، وهو لا يعرف أين توضع المقلاة! فالصناعات العسكرية ليست أكشاك قهوة تفتح بين ليلة وضحاها، ومصانع الصواريخ لا تنمو مثل فروع "تيم هورتنز"! ومع ذلك، وقف كارني بثقة، مبشراً بولادة كندا العسكرية الجديدة.

ثم جاءت اللحظة التي طال انتظارها في أروقة حلف الناتو: وصول الإنفاق العسكري الكندي إلى نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي. حدث تاريخي يشبه نجاح طالب أهمل الدراسة سنوات طويلة ثم نجح في امتحان واحد، فاحتفل الأساتذة أكثر مما احتفل الطالب. وهنا دخل كارني مرحلة الحماس الكامل، ففتح خزائن الدولة، وبدأت المليارات تتحرك: مليارات للدفاع، مليارات لتطوير قواعد الشمال، مليارات للتجنيد، ثم عشرات المليارات لتحديث نظام NORAD، لأن السماء الكندية أيضاً دخلت عصر القلق، والصواريخ الحديثة لا تنتظر الكندي حتى ينهي قهوته الصباحية.

ثم جاءت الفكرة الأكثر طرافة: تحويل كندا إلى ممول للصناعات الدفاعية داخل حلف الناتو! كندا التي كانت تستورد جزءاً كبيراً من احتياجاتها العسكرية، تريد الآن أن تصبح مصرفاً لتمويل الآخرين ولما لا! البنوك تمول البيوت والسيارات والمشاريع التجارية، وربما جاء الوقت لتمويل الدبابات أيضاً. يبدو أن الحروب دخلت هي الأخرى عصر القروض الميسرة والدفع بالتقسيط!

لكن السؤال الأساسي يبقى: من أين جاءت هذه الحمية العسكرية المفاجئة؟
كيف انتقلت كندا، خلال فترة قصيرة، من صورة الدولة التي تفاخر بحفظ السلام والعمل الدبلوماسي، إلى دولة تتحدث بلغة الغواصات والصواريخ والصناعات الدفاعية؟ لا شك أن العالم تغير، وأن المخاطر الأمنية ازدادت. لكن تغيير الأولويات ليس مجرد قرار مالي. إنه تغيير في صورة الدولة عن نفسها. فكندا لا تشتري أسلحة فقط، بل تحاول إعادة تعريف هويتها. الدولة التي ارتبط اسمها لعقود بالقبعة الزرقاء لقوات حفظ السلام، تريد اليوم أن تقول للعالم: نحن هنا، ولدينا أيضاً غواصات!

والمفارقة الكبرى أن مهندس هذا التحول ليس جنرالاً خرج من ساحات القتال، بل اقتصادي خرج من مكاتب المصارف. الرجل الذي أمضى حياته يحسب التضخم وأسعار الفائدة، أصبح يحسب مدى الصواريخ وعدد الغواصات. وهكذا اكتشفنا أن أخطر أنواع التضخم ليس ارتفاع الأسعار فقط، بل تضخم الأحلام العسكرية عندما يكون مفتاح الخزينة في يد اقتصادي يريد أن يلعب دور الكولونيل!

أما المواطن الكندي، فسيبقى في نهاية القصة يؤدي دوره المعروف: يدفع الفاتورة، ويستمع إلى الخطب عن الأمن القومي، ثم يكتشف أن كل دبابة تحتاج إلى وقود، وكل غواصة تحتاج إلى صيانة، وكل قرار عسكري له في النهاية عنوان واحد: جيب دافع الضرائب وهو الذي سيأكل في النهاية الضرب!