متابعة صدى اونلاين
في السنوات الأخيرة، لم تعد منصة Facebook Marketplace تقتصر على بيع الأثاث والملابس والأغراض المستعملة، بل تحوّلت تدريجياً إلى سوق موازية لبيع الوجبات المنزلية. أطباق تقليدية، مأكولات شرقية وعالمية، حلويات، معجنات، وحتى وجبات جاهزة للبرانش، تُعرض يومياً وتلقى إقبالاً لافتاً، لا سيما داخل أوساط الجاليات.
خلف عدد كبير من هذه الإعلانات تقف نساء يطبخن في بيوتهن، حوّلن مهارتهن في المطبخ إلى مصدر دخل، وقدّمن أطعمة توصف غالباً بأنها “مميّزة” و“تشبه أكل البيت”. إلا أن هذا الواقع، على جاذبيته الاجتماعية والاقتصادية، يطرح إشكالية قانونية وصحية حقيقية.
تحقيق ميداني: الأغلبية بلا ترخيص
تحقيقان صحفيان، أحدهما أجرته صحيفة محلية والآخر أنجزته راديو كندا، كشفا صورة مقلقة. ففي رصدٍ لمئات الإعلانات عبر Marketplace في مناطق مختلفة من كيبيك، تبيّن أن غالبية البائعين لا يملكون تصريحاً غذائياً رسمياً.
في أحد التحقيقات، تم التواصل مع 25 بائعاً وبائعة، ولم يتمكن سوى شخص واحد من إثبات امتلاكه ترخيصاً من وزارة الزراعة والمصايد والأغذية في كيبيك (MAPAQ). أما الآخرون، فتوقّف بعضهم عن الرد أو قام بحظر الحساب فور السؤال عن التصريح، فيما قال آخرون إنهم “في طور تقديم الطلب”.
أما راديو كندا، فتوصلت إلى نتائج مشابهة في منطقة الإيستري، حيث تبيّن أن 3 فقط من أصل 20 بائعاً يملكون ترخيصاً، بينما أقرّ 13 بعدم امتلاكه، وامتنع 4 عن المتابعة عند طرح السؤال.
ماذا يقول MAPAQ؟
في توضيح رسمي، أكّد MAPAQ أن بيع الطعام المنزلي ليس ممنوعاً، لكنّه خاضع لشروط صارمة تهدف إلى حماية الصحة العامة. وقال المتحدث باسم الوزارة والمستشار في سلامة الأغذية فرانسيس روبيرج إن القوانين المعمول بها، والتي تعزّزت منذ عام 2024، تشمل أيضاً البيع عبر المنصات الرقمية مثل Marketplace.
وأوضح أن من يبيع أطعمة محضّرة في مطبخه المنزلي ملزم بـ:
الحصول على ترخيص غذائي (كلفته نحو 360 دولاراً سنوياً)،
اجتياز تدريب معتمد في سلامة ونظافة الأغذية،
الالتزام بالبيع مباشرة للمستهلك فقط (يُمنع البيع بالجملة للمطاعم أو المتاجر)،
احترام حدود الإنتاج المسموح بها.
وحذّرت الوزارة من أن العمل دون ترخيص قد يؤدي إلى غرامات تتراوح بين 5000 و50 ألف دولار بموجب قانون المنتجات الغذائية.
أرقام رسمية ومراقبة رقمية
منذ دخول القواعد الجديدة حيّز التنفيذ، أعلن MAPAQ أنه سجّل 32 حالة مخالفة في أحد التقارير، و26 إدانة خلال عام 2025 وفق تقرير آخر، مع وجود ملفات إضافية لا تزال قيد المتابعة القضائية.
وأكدت الوزارة أن فرق التفتيش قادرة على تحديد المخالفين ميدانياً أو عبر الشكاوى، وأنها تراقب أيضاً وسائل التواصل الاجتماعي. كما دعت المستهلكين إلى التحقق من وجود الترخيص عبر أدوات متاحة على موقعها الإلكتروني، وتقديم شكوى عند الاشتباه.
النساء في قلب الظاهرة
ورغم الطابع المخالف أحياناً، لا يمكن تجاهل أن هذه المهنة أصبحت شائعة في أوساط النساء، خصوصاً من ربات المنازل والمهاجرات الجدد، اللواتي وجدن في الطبخ وسيلة للإبداع وتأمين دخل كريم بموارد محدودة.
ويجمع مراقبون على أن تميّز الأكل المنزلي وجودته لا يعفي من احترام القوانين. فالنوايا الحسنة والمهارة في الطبخ لا تكفي وحدها لضمان سلامة المستهلك، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتخزين الطعام، درجات الحرارة، النظافة، والحساسية الغذائية.
بدائل قانونية: المطابخ الجماعية
في هذا السياق، تبرز المطابخ الجماعية المرخّصة كحل عملي. فقد لجأت بعض رائدات الأعمال الغذائية إلى استئجار مطابخ معتمدة تحمل ترخيص MAPAQ، ما يسمح لهن بالإنتاج والبيع من دون تعقيدات قانونية، مع احترام أعلى معايير السلامة.
وتؤكد صاحبات تجارب ناجحة أن التدريب والالتزام بالقواعد شكّلا نقطة تحوّل إيجابية، وأن الرقابة الحكومية ليست عائقاً، بل ضمانة للجودة والثقة.
بين الشغف والمسؤولية
في المحصلة، يكشف هذا الملف عن واقع معقّد: شغف بالطبخ، حاجة اقتصادية، طلب متزايد على الأكل المنزلي، في مقابل مسؤولية قانونية وصحية لا يمكن تجاهلها.
ويشدّد MAPAQ على أن احترام القوانين، النظافة، والشفافية هي الأساس، سواء كان البائع مطعماً كبيراً أو طاهية تعمل من منزلها. أما المستهلك، فمدعو إلى الحذر، لأن الصحة العامة ليست مجالاً للمجازفة، مهما بدا الطبق شهيّاً أو “بيتيّاً”.
72 مشاهدة
16 يناير, 2026
68 مشاهدة
15 يناير, 2026
80 مشاهدة
15 يناير, 2026