Sadaonline

مقتضى التنويه: لا أمن خارجياً لدولة يتآكل أمنها الداخلي

الأمن الحقيقي يبدأ أولاً من شعور المواطن بأن مؤسسات بلده لا تخذله، ومن شعور العائلة المسلمة أنها لا تعيش تحت رحمة التحريض

إسماعيل الحاج علي -غاتينو

خطوات كارني: تركيز السلطة باسم الدفاع والسيادة، (فلسفة الدولة القلعة)

ما يفعله مارك كارني، رئيس الوزراء الكندي، لا يمكن قراءته بوصفه خطوات منفصلة: تعديل آلية التعيين في مجلس الشيوخ، إزالة شرط عدم الحزبية، التركيز على الكفاءات المرتبطة بالتقنية والاقتصاد والتنظيم، ثم الاندفاع في خطاب دفاعي واسع نحو الناتو والقطب الشمالي والغواصات وكاسحات الجليد والدفاعات السيبرانية. نحن أمام فلسفة حكم جديدة، ظاهرها الفعالية والاستجابة للتحديات، وباطنها نقل مركز الدولة من الديمقراطية التشاركية إلى ديمقراطية الضرورة. فالسلطة التنفيذية لا تقول صراحة إن المرحلة القادمة ليست لكرامة المواطن، لكنها تعيد ترتيب الأولويات بحيث يصبح المواطن تابعاً لمنطق أكبر: السيادة، الردع، الأسواق، التحالفات، والاستقلال عن الاعتماد الأمريكي من جهة، ومواجهة التهديد الروسي في المجال القطبي والأطلسي من جهة أخرى. والمشكلة أن هذه التوازنات الخارجية نفسها ليست صلبة، فالجيوبوليتيكيا الراهنة متحركة وقلقة، بين الولايات المتحدة التي تضغط من الجنوب اقتصادياً وسياسياً، وروسيا التي تحضر في الشمال والقطب والجناح الشرقي للناتو بوصفها تهديداً استراتيجياً. لذلك يصبح السؤال الجوهري: هل يجوز للدولة أن تعيد تشكيل مؤسساتها الديمقراطية باسم توازنات خارجية هشة أصلاً؟ وهل يتحول مجلس الشيوخ من مؤسسة مراجعة وتمثيل وتوازن إلى أداة تسريع لمشروع الدولة الأمنية الجديدة؟

الثمن الاجتماعي: مواطن قَلِق، خدمات هشة، وجاليات تحت رحمة التحريض (من انهيار الثقة إلى خوف الأقليات)

أثر ذلك لا يقف عند السياسة العليا، بل يهبط مباشرة إلى الأمن الاجتماعي والخدماتي، ثم يضرب الأقليات والجاليات الإسلامية في الصميم. حين تنشغل الدولة ببناء دروعها الخارجية وتضعف حساسيتها تجاه هشاشة الداخل، يبدأ المواطن يشعر بأن مؤسساته لا تراه إلا عند الحاجة إلى تعبئته أو ضبطه، لا عند حاجته إلى كرامة وخدمة وحماية. والأمن الحقيقي لا يبدأ من البحر ولا من الحدود الشمالية، بل يبدأ أولاً من شعور المواطن بأن مؤسسات بلده لا تخذله، ومن شعور العائلة المسلمة أنها لا تعيش تحت رحمة التحريض، ومن شعور كل أقلية أن القانون ليس وعداً جميلاً على الورق، بل حماية حية في الشارع، والمدرسة، والعمل، والإعلام. فإذا ترسخ هذا الأمن الداخلي امتد بعد ذلك إلى البحر والحدود الشمالية. أما حين تتقدم الدولة كقلعة دفاعية وتتراجع كراعية اجتماعية، فإن الأعطال الخدماتية، وفقدان الثقة، والكراهية الرقمية، والتحريض ضد المسلمين والمهاجرين، كلها تتحول إلى أعراض لمرض واحد: دولة تعرف كيف تحرس المجال الخارجي، لكنها تتردد في حماية الروح المدنية في الداخل. والخطر الأكبر هنا أن تصبح الجالية المسلمة، ومعها كل أقلية مرئية، ضحية مزدوجة: ضحية خطاب كراهية يزداد جرأة، وضحية مؤسسة مشغولة بتوازنات كبرى لا ترى الخوف اليومي الصغير الذي ينهش حياة الناس.