Sadaonline

الاستثناء الدستوري بين صوت الأغلبية وحماية التعددية في كندا

قوة النظام الدستوري الكندي تكمن في أن الاستثناء لا يلغي الحقوق، بل يفرض نقاشًا دائمًا حولها

د. إسماعيل الحاج علي - غاتينو
أفتتح هذه المقالة بسؤالٍ عن الاستثناء بوصفه أداةً ديمقراطية تُستعمل في إدارة الحقوق(!)، وأحيانًا في تعليقها. وأتناول هذا الموضوع من زاويتين متكاملتين: الأولى تتعلق بكندا التي تُقدَّم نموذجًا للديمقراطية الدستورية، ومع ذلك نشهد فيها استخدام آليات الاستثناء لتعليق بعض الحقوق باسم المصلحة العامة أو ظروف خاصة؛
والثانية تبحث في حدود هذا الاستثناء نفسه، وما إذا كانت هناك ضوابط تكفل ألا يتحول إلى وسيلة تُستعمل ضد الأقليات أو إلى أداة بيد من يحاول توظيف اللحظات الحساسة لفرض سرديات تاريخية ضيقة ( كمبدأ هووي لدولة قومية كيبيكية متخيلة).

من تعليق الحقوق إلى اختبار الديمقراطية
تقوم الديمقراطية الدستورية في كندا على توازن دقيق بين حماية الحقوق وسيادة البرلمان، غير أن المادة 33 من الميثاق تكشف هشاشة هذا التوازن عندما تُستخدم لتعليق بعض هذه الحقوق باسم الشرعية الديمقراطية. والإشكال لا يكمن في وجود الاستثناء بحد ذاته، بل في السياق السياسي والاجتماعي الذي قد يحوّله من إجراء مؤقت إلى قاعدة قابلة للتكرار. الاستثناء إذن ليس دائمًا قانونيًا، لكنه يمكن أن يصبح مستمرًا سياسيًا عبر التجديد كل خمس سنوات. أي أن الدستور يمنع الاستثناء الدائم من حيث النص، لكنه يسمح بإعادة تفعيله دوريًا وقد أعاد قانون 21 في كيبيك هذا السؤال إلى الواجهة، إذ لم يعد النقاش تقنيًا، بل مسّ حياة مواطنين يشعرون أن الاستثناء يطال كرامتهم وفرصهم في العمل والمشاركة. هنا يتضح أن الديمقراطية لا تختزل في حكم الأغلبية، بل تقوم على حماية التعددية داخل المجتمع، وأن الخوف من تعدديات غير منضبطة داخل إطار الحريات الشخصية يجد له بدوره معالجة في آليات القانون والنقاش العام، لا في تعليق الحقوق ذاتها. وعندما يتحدث الناس عن المادة 33 قد يبدو النقاش معقدًا، لكنه في جوهره سؤال بسيط: هل يمكن لقرار ديمقراطي أن يضيّق على بعض المواطنين باسم المصلحة العامة؟ الدستور الكندي يحمي الحقوق الأساسية، لكنه يسمح بتعليق بعض هذه الحماية مؤقتًا، على أن تبقى المراجعة والنقاش العام قائمين. غير أن المشكلة تظهر عندما يتحول التعليق المؤقت إلى أثر دائم في حياة الناس، كما في الجدل حول قانون 21، حيث يرى البعض تنظيمًا لحياد الدولة، ويرى آخرون ضغطًا يجبر بعض النساء على الاختيار بين العمل ومعتقداتهن، فيتحول النقاش من قانوني إلى إنساني يتعلق بالكرامة والانتماء والعيش المشترك.
وأمام المحكمة العليا يبرز بعد آخر، إذ لا يقتصر النقاش على صلاحية إبطال القانون، بل يمتد إلى قدرة القضاء على إعلان أن بعض الحقوق قد تضررت رغم بقاء النص نافذًا، وهو ما يعني انتقال دور القضاء من سلطة الإلغاء إلى سلطة التوصيف الدستوري، بحيث تبقى الحقوق حاضرة في النقاش العام حتى عند تفعيل الاستثناء، وتنتقل حمايتها من المحكمة وحدها إلى المجال السياسي والاجتماعي الأوسع.

حين تتكلم الأقلية الصاخبة
وتبرز هنا نقطة أكثر حساسية تتعلق بطبيعة الأغلبية نفسها، إذ يفترض النظام الديمقراطي أن القرارات تعكس إرادة أغلبية حقيقية، بينما قد يكون الواقع أكثر تعقيدًا، حيث لا تكون “الأغلبية” الداعمة لقانون معين سوى أقلية صاخبة تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الإعلام والنقاش العام، مقابل أكثرية صامتة تثق بالمؤسسات أو تبتعد عن الجدل. في هذه الحالة يبرز سؤال جوهري: هل يكفي أن يكون القرار قانونيًا حتى يكون عادلًا؟ هنا يظهر دور المؤسسات الدستورية في إعادة التوازن. فالمادة 33 تمنح البرلمان سلطة استثنائية، لكنها لا تُسقط دور القضاء ولا دور النقاش العام. تبقى المحاكم قادرة على فحص التطبيق، وتبقى الانتخابات وسيلة للمراجعة، ويستمر المجتمع المدني والإعلام في تشكيل الرأي العام. وإذا استطاعت أقلية صاخبة فرض سردية معينة، فإن وظيفة المؤسسات ليست إسكاتها، بل ضمان ألا تتحول هذه السردية إلى قاعدة قانونية تمس الحقوق بشكل غير متناسب، وأن يبقى النقاش مفتوحًا أمام الجميع. وهكذا يتضح أن قوة النظام الدستوري الكندي تكمن في أن الاستثناء لا يلغي الحقوق، بل يفرض نقاشًا دائمًا حولها، وفي هذا النقاش تتحدد هوية المجتمع: هل هي هوية أحادية تُبنى بالخوف، أم تعددية تُصان بالقانون والنقاش الحر، مجتمع يشعر فيه الجميع أنهم جزء منه، أم مجتمع يخشى فيه البعض أن يكونوا مستثنين.

*الصورة تم توليدها بالذكاء الاصطناعي