مونتريال – صدى أونلاين
وسط حضور كبير ومتنوع ، أطلقت الدكتورة في علوم الأديان الباحثة والكاتبة زينب دياب مساء الجمعة 2 أكتوبر 2026 في مكتبة Un livre à soi في مونتريال كتابها الجديد «Au nom de la laïcité – Islamophobie genrée et mort sociale»، خلال أمسية أُقيمت عند الساعة السادسة مساءً وأدارتها الأستاذة ليلى بدير .
وتناول اللقاء الأفكار الأساسية التي يطرحها الكتاب حول قانون 21، وتجربة النساء المسلمات المحجبات في كيبيك، والإسلاموفوبيا الجندرية، ومفهوم «الموت الاجتماعي»، إلى جانب نقاش مفتوح مع الحضور حول العلمانية والحقوق والهوية والتضامن.
وخلال كلمتها، شرحت د. دياب الموقع الذي تنطلق منه في بحثها وكتابتها، مؤكدة أنها تكتب من داخل تجربتها كامرأة مسلمة محجبة، وتسعى إلى توثيق أصوات النساء اللواتي تأثرن بالسياسات والقوانين المتعلقة بالعلمانية في كيبيك، وإلى نقل تجاربهن ومخاوفهن وآمالهن إلى النقاش العام.

دكتورة زينب دياب في حفل توقيع كتابها والى يسارها الاستاذة ليلى بدير
"أكتب كامرأة مسلمة محجبة"
واستهلت د. زينب دياب كلمتها بالآية القرآنية: «فإن مع العسر يسراً»، موضحة أنها اختارتها لأنها تختصر، في نظرها، تجربة النساء المسلمات اللواتي يواجهن التمييز والضغوط، وفي الوقت نفسه يواصلن المقاومة وبناء مساحات للأمل والعمل. وجاء الاستشهاد بالآية مدخلاً للحديث عن الصعوبات التي رافقت البحث والكتابة، وعن قدرة النساء على تحويل التجربة المؤلمة إلى معرفة وصوت وحضور.
وقالت د. دياب إنها تكتب بصفتها امرأة مسلمة محجبة، وإنها تعمدت استخدام بعض الكلمات العربية بصيغتها المنقولة إلى الفرنسية، باعتبار ذلك جزءاً من استعادة المصطلحات التي تصف تجربة النساء المسلمات بأصواتهن، بدلاً من الاكتفاء بالمفردات التي تُفرض عليهن من الخارج.
وبحسب دياب، لا تتعلق المسألة فقط بالطريقة التي تُقرأ بها أجساد النساء المسلمات والمحجبات، بل أيضاً بما وصفته بـ "عدم سماع الأصوات التي تخرج من هذه الأجساد".
ولخصت هذه الفكرة بالقول إن كتابة الكتاب هي في حد ذاتها إعلان حضور: "أنا موجودة، هذا صوتي، وهذا صوت النساء اللواتي يشبهنني".
من الكتابة إلى "الحداد السياسي"
وانتقلت د. دياب إلى الحديث عن مفهوم "الحداد السياسي" الذي رافق كتابة الكتاب، موضحة أن المقصود ليس فقط الحداد بمعناه المرتبط بالموت الشخصي، وإنما أيضاً الشعور بالفقد الناتج، عن تراجع الحقوق والحريات والشعور بالإقصاء السياسي والاجتماعي.
وقالت إن المسلمين في الغرب يعيشون تجربة مركبة؛ فمن جهة يواجهون الإسلاموفوبيا والتمييز، ومن جهة أخرى يتابعون ما يحدث لأقاربهم ومجتمعاتهم في مناطق النزاع والحروب.
واستعادت في هذا السياق عبارة للباحث Vincent Romani تتحدث عن «القصف في الشرق والتمييز في الغرب»، معتبرة أن التجربتين، من وجهة نظرها، لا يمكن فصلهما تماماً عن أنظمة أوسع من الاستعمار والعنصرية والهيمنة.
كما قدمت تعريفاً للإسلاموفوبيا يتجاوز، بحسبها، مجرد «الخوف من المسلمين» أو «كراهيتهم»، لتصفها بأنها منظومة اجتماعية وسياسية يمكن أن تستخدم للسيطرة على المسلمين وتقييد حضورهم وحقوقهم.
قانون 21 في قلب النقاش
وخلال الحوار الذي أعقب كلمتها، سُئلت د. دياب عن تعريفها للعلمانية وعلاقتها بقانون 21.
وقالت إن العلمانية، وفق المبادئ التي تعتمدها في تحليلها، تقوم على أربعة عناصر رئيسية: الفصل بين الدولة والدين، حياد الدولة، حرية الدين، والمساواة في المعاملة بين الأغلبية والأقليات.
لكنها اعتبرت أن قانون 21، يتجاوز مسألة العلمانية إلى مشروع مرتبط بالهوية والقومية وتعريف من ينتمي إلى الأمة ومن يُنظر إليه باعتباره خارجها.
وأضافت أن هذا الجانب يشكل محوراً أساسياً في كتابها، لأنها ترى أن النقاش حول القانون لا يجري فقط في مستوى المبادئ القانونية، بل ينعكس أيضاً على أجساد النساء المسلمات وحضورهن في المجتمع.
"الموت الاجتماعي"
ومن أبرز المفاهيم التي شرحتها د. دياب خلال الأمسية مفهوم "الموت الاجتماعي".
وقالت إن المرأة المسلمة المحجبة يمكن أن تصبح شديدة الحضور في الخطاب السياسي والإعلامي باعتبارها «مشكلة»، لكنها في الوقت نفسه قد تصبح غير مسموعة عندما تحاول الحديث عن تجربتها وحقوقها.
ولخصت الفكرة بالقول إن النساء المسلمات يكنّ "مرئيات جداً بوصفهن مشكلة، وغير مرئيات بوصفهن أشخاصاً وأصحاب صوت".
وبالنسبة إلى د. دياب، فإن هذا التناقض هو أحد محاور الكتاب الأساسية: فالحجاب والمرأة المسلمة يحضران بكثافة في النقاش العام، بينما لا تحظى النساء المعنيات دائماً بالمكان نفسه للتعبير عن رؤيتهن الذاتية.
انتقاد صمت بعض الأوساط النسوية
وتطرقت د. دياب كذلك إلى تحركات نساء مسلمات محجبات تأثرن بقوانين كيبيك المتعلقة بالعلمانية والرموز الدينية، مشيرة إلى احتجاجات نُظمت خلال الأسابيع الأخيرة.
وانتقدت "صمت بعض التيارات النسوية عندما يتعلق الأمر بحقوق النساء المسلمات."
وبرأيها، فإن الاحتفاء بوصول النساء إلى مواقع السلطة لا يكون كافياً إذا لم يترافق مع موقف واضح عندما تشعر فئات من النساء بأن حقوقهن الأساسية باتت موضع تقييد.
كما ربطت هذه القضية باستخدام بند الاستثناء في كيبيك، معتبرة أن القضية تتعلق، في قراءتها، بمسألة أوسع من مجرد ارتداء الحجاب، وتمس النقاش حول الحقوق والحريات وإمكان تعليق بعض ضماناتها القانونية.
الكتابة وسط الحرب والفقد
وقالت د. دياب إن عملية البحث والكتابة نفسها جرت في ظرف سياسي وإنساني ثقيل، إذ كانت تكتب وتتابع في الوقت نفسه الحروب والأحداث في المنطقة.
وأشارت إلى وجود أشخاص في محيطها فقدوا أفراداً من عائلاتهم أو تأثرت قراهم ومجتمعاتهم مباشرة بالحرب، معتبرة أن هذا الواقع جعل الكتابة الأكاديمية متداخلة مع تجربة إنسانية وشخصية من الحداد والخوف والغضب.
وأضافت أن الباحث قد يكتب فقرة ثم ينظر إلى هاتفه ليتابع أخبار قرية تعرضت للقصف أو حصيلة جديدة للضحايا، وهو ما جعل ما تسميه "الحداد السياسي" حاضراً فعلياً أثناء إنجاز العمل.
البعد الديني ومفهوم "الظلم"
وخلال النقاش، سُئلت د. دياب أيضاً عن حضور البعد الديني في مقاربتها البحثية.
فقالت إنها تتعامل مع مفهوم "الظلم" باعتباره مفهوماً أخلاقياً مركزياً، وإن إيمانها الإسلامي يجعلها، بحسب تعبيرها، غير قادرة على الصمت عندما ترى ظلماً.
وقالت إنها أصبحت باحثة وكاتبة لأنها مهتمة بقضايا العدالة الاجتماعية، وإن هذا الالتزام يرتبط أيضاً بهويتها الدينية.
كما ربطت ذلك بتجارب تاريخية وسياسية في الجزائر وجنوب لبنان وغيرها، واستحضرت المقاومة النسائية في مواجهة الاستعمار والاضطهاد.
"ما رأيت إلا جميلاً"
وفي أحد أكثر أجزاء كلمتها رمزية، تحدثت دياب عن النساء اللواتي "يُدّعى تحريرهن من خلال إقصائهن"، لكنها رأت في مقاومتهن وإصرارهن تأكيداً للكرامة والقدرة على الفعل.
وقالت في هذا السياق العبارة العربية: "ما رأيتُ إلا جميلاً".
واستشهدت بعد ذلك بفرانتز فانون في حديثه عن المرأة الجزائرية والاستعمار، ولا سيما فكرة المرأة التي "ترى من دون أن تُرى" وما تمثله من تحدٍ للسلطة الاستعمارية.
كما استحضرت كتابات نسوية تتناول التمرد النسائي بوصفه مقاومة للقيود المفروضة على المرأة.
شهادات النساء في قلب البحث
وأكدت د. دياب أن الكتاب ما كان ليأخذ شكله الحالي لولا النساء المسلمات في كيبيك اللواتي شاركن في بحثها حول قانون 21 .
وقالت إن القواعد الأخلاقية للبحث تمنعها من ذكر أسمائهن، لكنها أرادت توجيه الشكر لهن على الثقة والشهادات والمخاوف والآمال التي شاركنها معها.
وأضافت أن ما جمعته لم يكن مجرد مقابلات أو بيانات، بل أيضاً تجارب مؤلمة وصدمات شخصية، معربة عن أملها في أن تكون قد استطاعت توثيق أصواتهن بصورة عادلة.
تضامن يتجاوز المجتمع المسلم
وخلال النقاش مع الحضور، برز أيضاً موضوع بناء التضامن بين المجموعات المختلفة.
وشددت دياب والمتحدثون المشاركون في الحوار على أهمية الاستفادة من تجارب الحركات النسوية السوداء، والشعوب الأصلية، وغيرها من الحركات التي خاضت نضالات طويلة من أجل الحقوق والاعتراف.
وكانت الفكرة الأساسية أن مواجهة التمييز لا يمكن أن تتم داخل جزر منفصلة، وإنما تحتاج إلى تحالفات وتضامن بين المجموعات التي تواجه أشكالاً مختلفة من الإقصاء.
"المعركة طويلة"
ومن الرسائل التي برزت في ختام النقاش أن التغيير الاجتماعي والسياسي لا يتحقق بسرعة.
وتناول النقاش أهمية العمل طويل الأمد، والصبر، وبناء المؤسسات، والاستعداد لتحمل كلفة الدفاع عن القضايا العامة.
كما طُرحت فكرة أن الجيل الحالي يبني على عمل من سبقوه، وأن الأجيال المقبلة ستبني بدورها على ما يجري إنجازه اليوم.
وكانت الرسالة الأبرز أن ما ينقص أحياناً، وفق ما طُرح خلال الحوار، ليس المزيد من المعلومات أو البيانات، بل الشجاعة في الحديث عن القضايا الصعبة، حتى عندما تكون هذه المواقف غير مريحة في أماكن العمل أو الدراسة أو المجال العام.
شكر للنساء والباحثين والعائلة
وفي ختام كلمتها، وجهت د. دياب الشكر إلى النساء اللواتي شاركن في البحث وإلى عدد من الأكاديميين والباحثين والزملاء الذين رافقوا مشروعها.
كما شكرت محررتها ودار النشر التي احتضنت الكتاب، معتبرة أن من المهم بالنسبة إليها أن يصدر العمل عن دار تحمل التزاماً نسوياً وتوفر مساحة لأصوات تقول إنها غالباً ما تكون مهمشة.
وأشادت كذلك بعدد من الباحثات والناشطات والمحاميات، وبينهن المحامية نور فرحات، مشيرة إلى دورها في المعركة القانونية المتعلقة بقانون21.
ووجّهت دياب في ختام كلمتها تحية خاصة إلى عائلتها، وذكرت والدها الراحل الحاج علي دياب ( أبو حسين ) وتضحياته، إلى جانب والدتها. كما وجهت الشكر إلى أصدقائها وزوجها وأطفالها على دعمهم خلال سنوات البحث والكتابة.
واختتمت د. زينب دياب كلمتها بقراءة سورة العصر: «والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر»، في خاتمة انسجمت مع الرسالة التي حملتها كلمتها حول الصبر، والتمسك بالحق، ومواصلة العمل والتضامن في مواجهة التمييز والتحديات.
74 مشاهدة
07 أكتوبر, 2026
139 مشاهدة
07 أكتوبر, 2026
143 مشاهدة
06 أكتوبر, 2026