د. طنوس شلهوب - مونتريال
أثار توجه حكومة مارك كارني نحو إدخال القطاع الخاص في إدارة أكبر أربعة مطارات كندية نقاشاً يتجاوز مسألة تطوير البنية التحتية أو البحث عن مصادر تمويل جديدة. فالمسألة، في جوهرها، تتعلق بطبيعة المرافق الاستراتيجية، وبالجهة التي ينبغي أن تمتلك سلطة القرار الاقتصادي بشأنها، وبكيفية توزيع العوائد التي تنتجها.
قد يبدو المشروع، في ظاهره، إجراءً اقتصادياً يهدف إلى تحرير الأموال العامة، واستقطاب الاستثمارات، والاستفادة من خبرات القطاع الخاص في تطوير المطارات وتشغيلها. لكن النظر إليه من زاوية أوسع يفرض طرح أسئلة لا تتعلق فقط بحجم الأموال التي يمكن أن تدخل الخزينة اليوم، بل أيضاً بالحقوق الاقتصادية التي قد تنتقل إلى المستثمرين، وبالكلفة الاجتماعية والاقتصادية طويلة الأجل لهذا الانتقال.
إن المطارات الدولية الكبرى ليست مجرد منشآت تجارية تقدم خدمات للمسافرين وشركات الطيران. إنها جزء من البنية التحتية الأساسية للاقتصاد الوطني، ومنظومة النقل والاتصال الدولي، كما ترتبط بالأمن وسلاسل الإمداد والتجارة والسياحة وحركة الأفراد ورؤوس الأموال. ومن هذه الزاوية، فإن إدارة المطارات لا يمكن اختزالها في حسابات الربحية التشغيلية. فهي تنطوي على قرارات استراتيجية تتصل بتحديد أولويات الاستثمار، وتطوير القدرات الاستيعابية، وربط المناطق المختلفة، وضمان استمرارية الخدمات، وتحديد الرسوم التي يتحملها المستخدمون.
وتزداد أهمية هذه المسألة لأن المطارات الكبرى تتمتع بخصائص احتكارية واضحة. فالمسافر لا يستطيع اختيار مطار بديل، كما أن شركات الطيران لا تملك حرية الانتقال إلى مرافق أخرى متى شاءت. وهذا يضعف إحدى الحجج التقليدية التي تبرر نقل الخدمات إلى القطاع الخاص، أي أن المنافسة بين مقدمي الخدمات ستؤدي تلقائياً إلى تحسين الجودة وخفض الأسعار. في مثل هذه الحالة، قد لا يؤدي انتقال الإدارة إلى القطاع الخاص إلى خلق منافسة حقيقية، بل إلى نقل سلطة إدارة مرفق احتكاري إلى مستثمر يسعى، بحكم طبيعة نشاطه، إلى تعظيم العائد على رأس المال.
تستند الحكومة إلى أن المشروع لا يعني بيع المطارات أو التخلي عن ملكية الدولة للأراضي والمنشآت، بل إدخال مستثمرين من القطاع الخاص من خلال امتيازات تشغيل طويلة الأجل. لكن هذا التمييز القانوني، على أهميته، لا يحسم جوهر المسألة الاقتصادية والسياسية. فالملكية لا تتحدد فقط بمن يحمل سند الملكية، بل أيضاً بمن يمتلك سلطة اتخاذ القرارات، ومن يتحكم بالتشغيل والاستثمار والإيرادات، ومن يحدد أولويات التطوير، ومن يستفيد من الفائض الاقتصادي الناتج عن النشاط. إذا احتفظت الدولة بالملكية القانونية، لكنها منحت المستثمر الخاص حق إدارة المرفق والتحكم بجوانب أساسية من نشاطه الاقتصادي لعقود طويلة، فإننا نكون أمام انتقال مهم في السيطرة الفعلية، حتى من دون بيع الأصول. ومن هنا، لا ينبغي أن ينحصر النقاش في السؤال عما إذا كانت الدولة ستظل مالكة للمطارات، بل ينبغي أن يتناول طبيعة الحقوق التي ستتنازل عنها، وحدود سلطتها في الرقابة والتدخل، والقدرة الفعلية على حماية المصلحة العامة طوال مدة الامتياز.
والمطار مرفق ينتج قيمة اقتصادية من خلال موقعه وبنيته التحتية وحاجة المجتمع والاقتصاد إلى خدماته. وهذه القيمة لا تنتج من رأس المال المستثمر وحده، بل تستند أيضاً إلى استثمارات تاريخية، وإلى بنية عامة، وإلى نشاط اقتصادي واجتماعي واسع يتجاوز حدود المنشأة نفسها. عندما تنتقل إدارة هذا المرفق إلى مستثمر خاص، يصبح جزء من الفائض الذي ينتجه مرتبطاً بحقوق المستثمر وعائده. وبذلك يتغير السؤال من كيفية استخدام الإيرادات لتطوير المرفق وخدمة الاقتصاد، إلى كيفية توزيعها بين متطلبات التشغيل والاستثمار والعائد على رأس المال.
والتناقض القائم يتمثل بأن المستثمر الخاص يعمل ضمن منطق تعظيم العائد، بينما يفترض بالمرفق العام أن يوازن بين الكفاءة الاقتصادية والوظيفة الاجتماعية والتنمية الوطنية. وهذا الاختلاف ليس تفصيلاً إدارياً يمكن تجاهله، بل يتعلق بطبيعة العلاقة بين المجتمع والثروة التي ينتجها، وبالجهة التي تملك حق التصرف بها.
هل الخصخصة هي الحل الوحيد؟
تقول الحكومة إن إدخال الاستثمار الخاص سيوفر رأسمالاً جديداً وخبرات إدارية، وإن العائدات المالية المتأتية من منح الامتيازات ستُستخدم في تطوير المطارات الإقليمية وشبكات النقل والبنية التحتية. هذه حجة تستحق المناقشة، لكنها لا تثبت أن نقل الإدارة إلى القطاع الخاص هو الخيار الضروري أو الأفضل لتحقيق تلك الأهداف. فإذا كانت المشكلة هي الحاجة إلى تمويل إضافي، فلماذا يكون الحل التنازل عن حقوق تشغيل مرافق استراتيجية؟ أليس من الممكن اللجوء إلى الاقتراض العام طويل الأجل، وإصدار سندات مخصصة للبنية التحتية، وإعادة استثمار الفوائض، وتطوير آليات التمويل المشترك مع الحفاظ على السيطرة العامة؟ إن الحصول على مبالغ كبيرة في الوقت الحاضر مقابل منح حقوق اقتصادية طويلة الأجل ليس بالضرورة مكسباً صافياً. ينبغي احتساب ما ستخسره الدولة والمجتمع من إيرادات مستقبلية، ومقارنة ذلك بما ستحصل عليه الآن، مع الأخذ في الاعتبار قيمة الزمن والمخاطر والتزامات المستثمر. فالأموال التي تدخل الخزينة اليوم قد تبدو مكسباً فورياً، لكن هذا لا يكفي للحكم على الجدوى الاقتصادية للصفقة إذا كانت الدولة تتنازل في المقابل عن جزء من قدرتها على توجيه مرفق استراتيجي والاستفادة من عائداته مستقبلاً.
إلى ذلك، ثمة تفصيل مهم في النقاش الكندي ينبغي عدم تجاهله. فالمطارات الكبرى لا تُدار حالياً مباشرة من الحكومة الفدرالية، بل من سلطات مطارات مستقلة تعمل وفق نموذج غير ربحي، وتعيد استثمار إيراداتها في التشغيل والتطوير، وتدفع إيجارات للحكومة الفدرالية. بالتالي، فإن المقارنة الحقيقية ليست بين إدارة حكومية بيروقراطية وإدارة خاصة أكثر كفاءة، كما قد توحي بعض الخطابات المؤيدة للمشروع. إنها مقارنة بين نموذجين لإدارة المرفق:
• نموذج سلطات المطارات غير الربحية، حيث يعاد توظيف الإيرادات في المرفق، ضمن نظام من الإيجارات والرقابة العامة.
• نموذج الامتيازات الاستثمارية الخاصة، حيث يصبح تحقيق العائد على رأس المال جزءاً أساسياً من منطق الإدارة والتشغيل.
وهذا الاختلاف جوهري. فالمطلوب ليس الدفاع عن كل جوانب النموذج الحالي أو اعتباره مثالياً، بل البحث في كيفية تطويره وتعزيز مساءلته وكفاءته، بدلاً من افتراض أن إدخال رأس المال الخاص هو الطريق الوحيد للتحديث.
اعتراض العمال: المصلحة العامة ليست مجرد شعار
الاعتراضات التي برزت في فانكوفر، والتي شارك فيها اتحاد موظفي النقل الكندي وتحالف موظفي الخدمة العامة، تكشف جانباً مهماً من طبيعة النزاع. فالعمال لا يدافعون فقط عن وظائفهم وأجورهم وشروط عملهم، وإن كانت هذه حقوقاً أساسية. إنهم يطرحون أيضاً أسئلة تتعلق بمستقبل المرفق نفسه، وبالجهة التي ستحدد أولويات تشغيله واستثماره، وبمدى قدرة المسافرين والمجتمعات المحلية على التأثير في القرارات التي تمس مصالحهم. وتبرز هنا مخاوف من زيادة الرسوم، والضغط على الأجور، والتوسع في التعاقد من الباطن، وتراجع المساءلة العامة. وهي مخاوف لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد مقاومة نقابية للتغيير، كما لا ينبغي تقديمها باعتبارها نتائج حتمية قبل معرفة تفاصيل العقود المقترحة.
لكن من المشروع أن نسأل: إذا كان المستثمر الخاص سيدخل هذه الصفقات سعياً إلى تحقيق عائد، فمن الذي سيضمن ألا تتحول زيادة هذا العائد إلى ضغط على العاملين والمسافرين، أو إلى تقليص للاستثمارات التي لا تحقق مردوداً تجارياً سريعاً؟ إن مشاركة العمال والمجتمعات المحلية في النقاش ليست امتيازاً يمكن منحه لهم أو حجبه عنهم، بل جزء من المساءلة المطلوبة في إدارة بنية تحتية تخدم المجتمع بأكمله.
أي دور للدولة في الاقتصاد؟
المسألة هنا تتجاوز المطارات الأربع، وتتصل بتصور أوسع لدور الدولة في الاقتصاد الكندي. فالدولة ليست مجرد جهاز لجمع الضرائب والإنفاق على الخدمات، ولا ينبغي أن تقتصر وظيفتها الاقتصادية على تهيئة الظروف الملائمة لتراكم رأس المال الخاص. إنها أيضاً أداة لتنظيم الموارد وتوجيه الاستثمارات وحماية المصالح الاجتماعية والاستراتيجية، ولا سيما في القطاعات التي ترتبط بالبنية التحتية الأساسية.
إن الدفاع عن السيطرة العامة يقتضي المطالبة بإدارة كفؤة وشفافة، وبآليات رقابة ومحاسبة حقيقية، وبمؤشرات أداء قابلة للقياس، وبإشراك العاملين والمجتمعات المعنية في صياغة السياسات.
ومن منظور مادي، لا يمكن فصل شكل الإدارة عن علاقات الملكية والسيطرة، ولا عن المصالح الاجتماعية والاقتصادية التي تخدمها. فالسؤال ليس تقنياً فحسب: من يستطيع إدارة المطار بكلفة أقل؟ بل هو أيضاً سؤال اجتماعي وسياسي: من يملك حق تحديد استخدام الموارد والفائض الاقتصادي الذي ينتجه هذا المرفق، ولصالح من؟
الخلاصة
لا أرى أن الاعتراض على مشروع إدخال الاستثمار الخاص في إدارة المطارات الكندية ينبغي أن يقوم على رفض الاستثمار أو الخبرة الخاصة من حيث المبدأ. يمكن الاستفادة من الخبرات التقنية والإدارية، والتعاقد مع الشركات المتخصصة في مجالات محددة، وتطوير أساليب التشغيل والتحديث، من دون تسليم السيطرة الاستراتيجية على المرفق.
إن الخط الفاصل هنا هو بين الاستعانة بالقطاع الخاص لتطوير أداء المرفق العام، وبين نقل حق إدارته واستثمار إيراداته إلى رأس المال الخاص بموجب امتيازات طويلة الأجل.
الأولى يمكن أن تكون أداة لتحسين الأداء، أما الثانية فتطرح تغييراً في طبيعة العلاقة بين المرفق والمجتمع.
وبالتالي، فإن الاعتراض على مشروع كارني لا يعني رفض تطوير المطارات أو تحديثها، ولا الدفاع عن إدارة عامة غير كفؤة. إنه اعتراض على اعتبار نقل السيطرة الاقتصادية إلى المستثمرين حلاً طبيعياً لمشكلة التمويل والتطوير، وعلى إخضاع مرفق استراتيجي لمنطق العائد الاستثماري الخاص.
فالمطارات، مثل الموانئ وشبكات السكك الحديدية والطاقة والمياه، ليست مجرد أصول يمكن تقييمها وفق سعر بيعها أو قيمة الامتيازات التي يمكن تحصيلها منها. إنها مكونات من الثروة الاجتماعية والبنية الإنتاجية للبلاد.
ليس السؤال كم تستطيع الحكومة أن تحصل اليوم مقابل منح حقوق تشغيل المطارات، بل ما الذي ستخسره البلاد غداً من قدرتها على التحكم بثروتها وبنيتها التحتية وتوجيهها لخدمة المجتمع.
إن الكفاءة الاقتصادية مطلوبة، والاستثمار ضروري، لكنهما ينبغي أن يكونا في خدمة المصلحة العامة، لا أن تتحول المصلحة العامة إلى مبرر لتوسيع مجالات تراكم رأس المال الخاص.
______________
مراجع ومصادر للنقاش
1. Global News – Canada seeks private investment in airports but feds to keep land, assets، 15 أيلول 2026، وتحديث 8 تشرين الأول.
2. Reuters – Canada expects strong investment interest from domestic pension funds، 15 أيلول 2026.
3. Public Service Alliance of Canada – Opposition to airport privatization، 27 تشرين الأول 2026.
4. Union of Canadian Transportation Employees – Airport Privatization Campaign.
5. Senate of Canada – Parliamentary discussion on airport privatization
أثار توجه حكومة مارك كارني نحو إدخال القطاع الخاص في إدارة أكبر أربعة مطارات كندية نقاشاً يتجاوز مسألة تطوير البنية التحتية أو البحث عن مصادر تمويل جديدة. فالمسألة، في جوهرها، تتعلق بطبيعة المرافق الاستراتيجية، وبالجهة التي ينبغي أن تمتلك سلطة القرار الاقتصادي بشأنها، وبكيفية توزيع العوائد التي تنتجها.
قد يبدو المشروع، في ظاهره، إجراءً اقتصادياً يهدف إلى تحرير الأموال العامة، واستقطاب الاستثمارات، والاستفادة من خبرات القطاع الخاص في تطوير المطارات وتشغيلها. لكن النظر إليه من زاوية أوسع يفرض طرح أسئلة لا تتعلق فقط بحجم الأموال التي يمكن أن تدخل الخزينة اليوم، بل أيضاً بالحقوق الاقتصادية التي قد تنتقل إلى المستثمرين، وبالكلفة الاجتماعية والاقتصادية طويلة الأجل لهذا الانتقال.
إن المطارات الدولية الكبرى ليست مجرد منشآت تجارية تقدم خدمات للمسافرين وشركات الطيران. إنها جزء من البنية التحتية الأساسية للاقتصاد الوطني، ومنظومة النقل والاتصال الدولي، كما ترتبط بالأمن وسلاسل الإمداد والتجارة والسياحة وحركة الأفراد ورؤوس الأموال. ومن هذه الزاوية، فإن إدارة المطارات لا يمكن اختزالها في حسابات الربحية التشغيلية. فهي تنطوي على قرارات استراتيجية تتصل بتحديد أولويات الاستثمار، وتطوير القدرات الاستيعابية، وربط المناطق المختلفة، وضمان استمرارية الخدمات، وتحديد الرسوم التي يتحملها المستخدمون.
وتزداد أهمية هذه المسألة لأن المطارات الكبرى تتمتع بخصائص احتكارية واضحة. فالمسافر لا يستطيع اختيار مطار بديل، كما أن شركات الطيران لا تملك حرية الانتقال إلى مرافق أخرى متى شاءت. وهذا يضعف إحدى الحجج التقليدية التي تبرر نقل الخدمات إلى القطاع الخاص، أي أن المنافسة بين مقدمي الخدمات ستؤدي تلقائياً إلى تحسين الجودة وخفض الأسعار. في مثل هذه الحالة، قد لا يؤدي انتقال الإدارة إلى القطاع الخاص إلى خلق منافسة حقيقية، بل إلى نقل سلطة إدارة مرفق احتكاري إلى مستثمر يسعى، بحكم طبيعة نشاطه، إلى تعظيم العائد على رأس المال.
تستند الحكومة إلى أن المشروع لا يعني بيع المطارات أو التخلي عن ملكية الدولة للأراضي والمنشآت، بل إدخال مستثمرين من القطاع الخاص من خلال امتيازات تشغيل طويلة الأجل. لكن هذا التمييز القانوني، على أهميته، لا يحسم جوهر المسألة الاقتصادية والسياسية. فالملكية لا تتحدد فقط بمن يحمل سند الملكية، بل أيضاً بمن يمتلك سلطة اتخاذ القرارات، ومن يتحكم بالتشغيل والاستثمار والإيرادات، ومن يحدد أولويات التطوير، ومن يستفيد من الفائض الاقتصادي الناتج عن النشاط. إذا احتفظت الدولة بالملكية القانونية، لكنها منحت المستثمر الخاص حق إدارة المرفق والتحكم بجوانب أساسية من نشاطه الاقتصادي لعقود طويلة، فإننا نكون أمام انتقال مهم في السيطرة الفعلية، حتى من دون بيع الأصول. ومن هنا، لا ينبغي أن ينحصر النقاش في السؤال عما إذا كانت الدولة ستظل مالكة للمطارات، بل ينبغي أن يتناول طبيعة الحقوق التي ستتنازل عنها، وحدود سلطتها في الرقابة والتدخل، والقدرة الفعلية على حماية المصلحة العامة طوال مدة الامتياز.
والمطار مرفق ينتج قيمة اقتصادية من خلال موقعه وبنيته التحتية وحاجة المجتمع والاقتصاد إلى خدماته. وهذه القيمة لا تنتج من رأس المال المستثمر وحده، بل تستند أيضاً إلى استثمارات تاريخية، وإلى بنية عامة، وإلى نشاط اقتصادي واجتماعي واسع يتجاوز حدود المنشأة نفسها. عندما تنتقل إدارة هذا المرفق إلى مستثمر خاص، يصبح جزء من الفائض الذي ينتجه مرتبطاً بحقوق المستثمر وعائده. وبذلك يتغير السؤال من كيفية استخدام الإيرادات لتطوير المرفق وخدمة الاقتصاد، إلى كيفية توزيعها بين متطلبات التشغيل والاستثمار والعائد على رأس المال.
والتناقض القائم يتمثل بأن المستثمر الخاص يعمل ضمن منطق تعظيم العائد، بينما يفترض بالمرفق العام أن يوازن بين الكفاءة الاقتصادية والوظيفة الاجتماعية والتنمية الوطنية. وهذا الاختلاف ليس تفصيلاً إدارياً يمكن تجاهله، بل يتعلق بطبيعة العلاقة بين المجتمع والثروة التي ينتجها، وبالجهة التي تملك حق التصرف بها.
هل الخصخصة هي الحل الوحيد؟
تقول الحكومة إن إدخال الاستثمار الخاص سيوفر رأسمالاً جديداً وخبرات إدارية، وإن العائدات المالية المتأتية من منح الامتيازات ستُستخدم في تطوير المطارات الإقليمية وشبكات النقل والبنية التحتية. هذه حجة تستحق المناقشة، لكنها لا تثبت أن نقل الإدارة إلى القطاع الخاص هو الخيار الضروري أو الأفضل لتحقيق تلك الأهداف. فإذا كانت المشكلة هي الحاجة إلى تمويل إضافي، فلماذا يكون الحل التنازل عن حقوق تشغيل مرافق استراتيجية؟ أليس من الممكن اللجوء إلى الاقتراض العام طويل الأجل، وإصدار سندات مخصصة للبنية التحتية، وإعادة استثمار الفوائض، وتطوير آليات التمويل المشترك مع الحفاظ على السيطرة العامة؟ إن الحصول على مبالغ كبيرة في الوقت الحاضر مقابل منح حقوق اقتصادية طويلة الأجل ليس بالضرورة مكسباً صافياً. ينبغي احتساب ما ستخسره الدولة والمجتمع من إيرادات مستقبلية، ومقارنة ذلك بما ستحصل عليه الآن، مع الأخذ في الاعتبار قيمة الزمن والمخاطر والتزامات المستثمر. فالأموال التي تدخل الخزينة اليوم قد تبدو مكسباً فورياً، لكن هذا لا يكفي للحكم على الجدوى الاقتصادية للصفقة إذا كانت الدولة تتنازل في المقابل عن جزء من قدرتها على توجيه مرفق استراتيجي والاستفادة من عائداته مستقبلاً.
إلى ذلك، ثمة تفصيل مهم في النقاش الكندي ينبغي عدم تجاهله. فالمطارات الكبرى لا تُدار حالياً مباشرة من الحكومة الفدرالية، بل من سلطات مطارات مستقلة تعمل وفق نموذج غير ربحي، وتعيد استثمار إيراداتها في التشغيل والتطوير، وتدفع إيجارات للحكومة الفدرالية. بالتالي، فإن المقارنة الحقيقية ليست بين إدارة حكومية بيروقراطية وإدارة خاصة أكثر كفاءة، كما قد توحي بعض الخطابات المؤيدة للمشروع. إنها مقارنة بين نموذجين لإدارة المرفق:
• نموذج سلطات المطارات غير الربحية، حيث يعاد توظيف الإيرادات في المرفق، ضمن نظام من الإيجارات والرقابة العامة.
• نموذج الامتيازات الاستثمارية الخاصة، حيث يصبح تحقيق العائد على رأس المال جزءاً أساسياً من منطق الإدارة والتشغيل.
وهذا الاختلاف جوهري. فالمطلوب ليس الدفاع عن كل جوانب النموذج الحالي أو اعتباره مثالياً، بل البحث في كيفية تطويره وتعزيز مساءلته وكفاءته، بدلاً من افتراض أن إدخال رأس المال الخاص هو الطريق الوحيد للتحديث.
اعتراض العمال: المصلحة العامة ليست مجرد شعار
الاعتراضات التي برزت في فانكوفر، والتي شارك فيها اتحاد موظفي النقل الكندي وتحالف موظفي الخدمة العامة، تكشف جانباً مهماً من طبيعة النزاع. فالعمال لا يدافعون فقط عن وظائفهم وأجورهم وشروط عملهم، وإن كانت هذه حقوقاً أساسية. إنهم يطرحون أيضاً أسئلة تتعلق بمستقبل المرفق نفسه، وبالجهة التي ستحدد أولويات تشغيله واستثماره، وبمدى قدرة المسافرين والمجتمعات المحلية على التأثير في القرارات التي تمس مصالحهم. وتبرز هنا مخاوف من زيادة الرسوم، والضغط على الأجور، والتوسع في التعاقد من الباطن، وتراجع المساءلة العامة. وهي مخاوف لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد مقاومة نقابية للتغيير، كما لا ينبغي تقديمها باعتبارها نتائج حتمية قبل معرفة تفاصيل العقود المقترحة.
لكن من المشروع أن نسأل: إذا كان المستثمر الخاص سيدخل هذه الصفقات سعياً إلى تحقيق عائد، فمن الذي سيضمن ألا تتحول زيادة هذا العائد إلى ضغط على العاملين والمسافرين، أو إلى تقليص للاستثمارات التي لا تحقق مردوداً تجارياً سريعاً؟ إن مشاركة العمال والمجتمعات المحلية في النقاش ليست امتيازاً يمكن منحه لهم أو حجبه عنهم، بل جزء من المساءلة المطلوبة في إدارة بنية تحتية تخدم المجتمع بأكمله.
أي دور للدولة في الاقتصاد؟
المسألة هنا تتجاوز المطارات الأربع، وتتصل بتصور أوسع لدور الدولة في الاقتصاد الكندي. فالدولة ليست مجرد جهاز لجمع الضرائب والإنفاق على الخدمات، ولا ينبغي أن تقتصر وظيفتها الاقتصادية على تهيئة الظروف الملائمة لتراكم رأس المال الخاص. إنها أيضاً أداة لتنظيم الموارد وتوجيه الاستثمارات وحماية المصالح الاجتماعية والاستراتيجية، ولا سيما في القطاعات التي ترتبط بالبنية التحتية الأساسية.
إن الدفاع عن السيطرة العامة يقتضي المطالبة بإدارة كفؤة وشفافة، وبآليات رقابة ومحاسبة حقيقية، وبمؤشرات أداء قابلة للقياس، وبإشراك العاملين والمجتمعات المعنية في صياغة السياسات.
ومن منظور مادي، لا يمكن فصل شكل الإدارة عن علاقات الملكية والسيطرة، ولا عن المصالح الاجتماعية والاقتصادية التي تخدمها. فالسؤال ليس تقنياً فحسب: من يستطيع إدارة المطار بكلفة أقل؟ بل هو أيضاً سؤال اجتماعي وسياسي: من يملك حق تحديد استخدام الموارد والفائض الاقتصادي الذي ينتجه هذا المرفق، ولصالح من؟
الخلاصة
لا أرى أن الاعتراض على مشروع إدخال الاستثمار الخاص في إدارة المطارات الكندية ينبغي أن يقوم على رفض الاستثمار أو الخبرة الخاصة من حيث المبدأ. يمكن الاستفادة من الخبرات التقنية والإدارية، والتعاقد مع الشركات المتخصصة في مجالات محددة، وتطوير أساليب التشغيل والتحديث، من دون تسليم السيطرة الاستراتيجية على المرفق.
إن الخط الفاصل هنا هو بين الاستعانة بالقطاع الخاص لتطوير أداء المرفق العام، وبين نقل حق إدارته واستثمار إيراداته إلى رأس المال الخاص بموجب امتيازات طويلة الأجل.
الأولى يمكن أن تكون أداة لتحسين الأداء، أما الثانية فتطرح تغييراً في طبيعة العلاقة بين المرفق والمجتمع.
وبالتالي، فإن الاعتراض على مشروع كارني لا يعني رفض تطوير المطارات أو تحديثها، ولا الدفاع عن إدارة عامة غير كفؤة. إنه اعتراض على اعتبار نقل السيطرة الاقتصادية إلى المستثمرين حلاً طبيعياً لمشكلة التمويل والتطوير، وعلى إخضاع مرفق استراتيجي لمنطق العائد الاستثماري الخاص.
فالمطارات، مثل الموانئ وشبكات السكك الحديدية والطاقة والمياه، ليست مجرد أصول يمكن تقييمها وفق سعر بيعها أو قيمة الامتيازات التي يمكن تحصيلها منها. إنها مكونات من الثروة الاجتماعية والبنية الإنتاجية للبلاد.
ليس السؤال كم تستطيع الحكومة أن تحصل اليوم مقابل منح حقوق تشغيل المطارات، بل ما الذي ستخسره البلاد غداً من قدرتها على التحكم بثروتها وبنيتها التحتية وتوجيهها لخدمة المجتمع.
إن الكفاءة الاقتصادية مطلوبة، والاستثمار ضروري، لكنهما ينبغي أن يكونا في خدمة المصلحة العامة، لا أن تتحول المصلحة العامة إلى مبرر لتوسيع مجالات تراكم رأس المال الخاص.
______________
مراجع ومصادر للنقاش
1. Global News – Canada seeks private investment in airports but feds to keep land, assets، 15 أيلول 2026، وتحديث 8 تشرين الأول.
2. Reuters – Canada expects strong investment interest from domestic pension funds، 15 أيلول 2026.
3. Public Service Alliance of Canada – Opposition to airport privatization، 27 تشرين الأول 2026.
4. Union of Canadian Transportation Employees – Airport Privatization Campaign.
5. Senate of Canada – Parliamentary discussion on airport privatization
83 مشاهدة
04 نوفمبر, 2026
232 مشاهدة
03 نوفمبر, 2026
304 مشاهدة
24 أكتوبر, 2026