د. عبدالإله الخازندار
ليست قيمة المشاريع الكبرى في خلوّ بداياتها من الأخطاء، ولا في جمال الشعارات التي ترفعها، وإنما في نبل الغايات التي تسعى إليها، وفي قدرتها على تحويل الأفكار إلى إنجازات، والطموحات إلى واقع يلمسه الناس.
ومن هذا المنطلق، جاءت فكرة تأسيس اتحاد الجمعيات الثقافية العربية الكندية، لتكون خطوة نحو بناء عمل ثقافي واجتماعي مشترك، يتجاوز حدود المبادرات الفردية والجهود المتفرقة، ويفتح آفاقًا أرحب للتعاون والتكامل بين الجمعيات العربية في كندا.
إن هذا الاتحاد ليس مجمعًا لغويًا، ولا مؤسسة أكاديمية متخصصة، ولا رابطة أدبية تقتصر رسالتها على شؤون اللغة والأدب، وإنما هو كيان تنسيقي جامع، يسعى إلى توحيد الجهود لا إلغاء الخصوصيات، وإلى بناء الشراكات لا احتكار المبادرات، وإلى تعزيز العمل المشترك مع احترام استقلال كل جمعية وهويتها ورسالتها.
ولعل اللغة العربية، التي نعتز بها جميعًا، ستظل في قلب اهتمامنا، فهي لغة هويتنا وذاكرتنا الحضارية، والجسر الذي يصل أبناءنا بجذورهم الثقافية. غير أن الاهتمام بها لا يعني اختزال العمل الثقافي كله في حدودها؛ فالثقافة أوسع من اللغة، وإن كانت اللغة من أعظم أوعيتها، والعمل المجتمعي أشمل من أن يُحصر في نشاط واحد أو اختصاص بعينه.
إن أمامنا مسؤوليات كبيرة، وفي مقدمتها تعزيز الهوية الثقافية لدى الأجيال الجديدة، ودعم حضور اللغة العربية بأساليب محببة ومعاصرة، وتمكين الشباب والمرأة، ورعاية المواهب والإبداعات، وتنظيم الفعاليات الثقافية والفنية، وفتح قنوات التعاون مع المؤسسات الكندية، بما يعزز حضور الجاليات العربية ومشاركتها الإيجابية في المجتمع.
كما أن من طموحات الاتحاد أن يكون مساحة للحوار وتبادل الخبرات، ومنصة لتنسيق المبادرات المشتركة، وجسرًا للتواصل بين الأجيال والثقافات، وأن يسهم في معالجة التحديات الاجتماعية والتربوية التي تواجه أسرنا وأبناءنا في المهجر.
لكن هذه الطموحات لن تتحقق بمجرد الإعلان عن الاتحاد، وإنما تحتاج إلى عمل مؤسسي منظم، ورؤية واضحة، وخطط واقعية، وإرادة جماعية تؤمن بأن نجاح المؤسسة أهم من بروز الأفراد.
وهنا تبرز مسؤولية الجميع؛ فالاتحاد لا يُبنى بجهود مؤسسيه وحدهم، بل يحتاج إلى إسهامات المثقفين والأدباء والأكاديميين والفنانين وأصحاب الخبرات، وإلى مشاركة الجمعيات والمؤسسات وكل من يمتلك فكرة بناءة أو مبادرة نافعة.
إننا لا نبحث عن اتفاق مطلق في الآراء، ولا ندّعي أن خطواتنا الأولى بلغت الكمال؛ فالاختلاف الواعي مصدر إثراء، والنقد الموضوعي ضرورة للتطوير. لكن الحكمة تقتضي أن ننظر إلى الصورة الكبرى، وألا تسمح لنا التفاصيل الصغيرة بأن نحجب عن أعيننا قيمة المشروع وآفاقه المستقبلية.
فالثقافة الحقيقية ليست فصاحة اللسان وحدها، وإنما هي أيضًا سعة الأفق، واحترام التنوع، والقدرة على تحويل المعرفة إلى عمل، والاختلاف إلى حوار، والطموح الفردي إلى إنجاز جماعي.
إننا اليوم أمام فرصة لصناعة تجربة عربية كندية متميزة، تقوم على التعاون والانفتاح والمسؤولية، وتستثمر ما تزخر به جالياتنا من كفاءات وطاقات وإبداعات.
فلنجعل من الاتحاد بيتًا يتسع للجميع، ومن الاختلاف مصدر قوة، ومن النقد وسيلة للبناء، ومن الثقافة رسالة تجمع ولا تفرّق.
وفي نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح الاتحاد بعدد الاجتماعات التي يعقدها، ولا بالبيانات التي يصدرها، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الناس، وما يقدمه لأبنائنا من فرص، وما يبنيه بين جمعياتنا من جسور، وما يضيفه إلى مجتمعنا الكندي من حضور ثقافي وإنساني مشرّف.
فالأفكار الكبيرة لا تحتاج إلى من يصفّق لها بقدر حاجتها إلى من يؤمن بها ويعمل من أجلها. والأوطان التي نحملها في قلوبنا لا نخدمها بالكلمات وحدها، بل بما نصنعه لأبنائها من مستقبل.
فلنرتقِ بطموحاتنا إلى مستوى رسالتنا، ولنجعل من هذا الاتحاد مشروعًا يجمعنا اليوم، وأثرًا نفخر به غدًا.
*رئيس الجالية اليمنية كندا
عضو مؤسس وعضو المجلس التنفيذي لاتحاد الجمعيات الثقافية العربية الكندية
32 مشاهدة
20 أكتوبر, 2026
101 مشاهدة
20 أكتوبر, 2026
87 مشاهدة
19 أكتوبر, 2026