Sadaonline

من "أسطول الصمود العالمي" إلى سجن النقب الإسرائيلي: الناشطة الكندية صفاء الشابي تكشف تفاصيل اعتقال المشاركين أثناء الإبحار نحو غزة

المحتجزون أُلقي بهم في الحاويات، وضُربوا على رؤوسهم وأضلاعهم، وتعرضوا للصعق الكهربائي

 

مونتريال- دارين حوماني

انطلق في 12 نيسان/ أبريل 2026 من مدينة برشلونة "أسطول الحرية و"أسطول الصمود العالمي"، بمشاركة مئات الناشطين من 50 دولة، على متن عشرات السفن التي هدفت إلى كسر الحصار عن قطاع غزة وتسليط الضوء على ما يجري هناك. وقد شارك فيها 12 ناشطًا من كندا، أربعة منهم من مونتريال، صفاء الشابي من "أسطول الصمود العالمي" وإيهاب لطيف وأوليفييه هيوار وسينتيا لوماي من "أسطول الحرية".

غير أن هذه الرحلة انتهت بتدخل عسكري إسرائيلي في المياه الدولية، حيث تم اعتراض الأسطول واعتقال مئات المشاركين، بينهم الكنديين الـ12، في مشاهد وثّقت لاحقًا وأظهرت كيفية التعرّض للسفن كما أظهرت مشاهد أخرى محتجزين مقيّدي الأيدي ومجبرين على الركوع مع تعرّضهم لسوء المعاملة الجسدية والنفسية.

ونُشر فيديو يُظهر الوزير الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير يستهزئ بالناشطين المعتقلين ويقول لهم إنه يجب أن يبقوا في السجن "لفترة طويلة جدًا".

وفي بيان صدر يوم الجمعة الفائت، ذكرت منظمة "أسطول الصمود العالمي" بأن نشطاء الأسطول تعرضوا "لعمليات تفتيش مهينة، وتحرش جنسي، بالإضافة إلى حالات اغتصاب متعدد، وتم توثيق ما لا يقل عن 12 حالة اعتداء جنسي على متن السفينة الحربية".

وأفادت المنظمة بأن المحتجزين أُلقي بهم في الحاويات، وضُربوا على رؤوسهم وأضلاعهم، وتعرضوا للصعق الكهربائي في الوجه والرقبة والجسم، كما وردت أنباء عن تعرضهم للتعذيب، ووضعهم في أوضاع إجهاد شديدة، واستجوابهم لفترات طويلة.

وقد أثارت المشاهد المنشورة للمعتقلين موجة إدانات دولية، كان من بينها موقف كندي لافت، إذ وصف رئيس الوزراء مارك كارني ما جرى بأنه "مقزز وغير مقبول"، مؤكدًا أن معاملة المدنيين على متن الأسطول لا تتوافق مع المعايير الإنسانية.

وقال كارني في منشور على موقع X: "يجب الحفاظ على حماية المدنيين واحترام كرامة الإنسان في كل مكان وزمان"، مشيرًا إلى أن كندا فرضت عقوبات على بن غفير العام الماضي، بسبب تحريضه المتكرر على العنف ضد المجتمعات الفلسطينية.

من جهتها، اعتبرت وزيرة الخارجية أنيتا أناند أن مقاطع الفيديو التي نشرها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، والتي ظهر فيها وهو يسخر من المعتقلين، "مقلقة للغاية وغير مقبولة إطلاقًا"، معلنة استدعاء السفير الإسرائيلي للاحتجاج على ما وصفته بـ"سوء معاملة المدنيين".

كما أعلنت عدة دول، بينها فرنسا وإيطاليا وهولندا، استدعاء سفراء إسرائيل لديها احتجاجًا على طريقة التعامل مع الناشطين.

وقد تم ترحيل النشطاء الكنديين إلى تركيا، حيث تلقوا رعاية طبية عاجلة وسيصلون على دفعات، بين اليوم وغدًا إلى كندا. فيما يصل المشاركون من مونتريال اليوم مساء كما ذكر بيان مشترك لمنظمة "القارب الكندي إلى غزة" (Canadian Boat to Gaza) و"أسطول الصمود العالمي" تم نشره اليوم. ويذكر البيان:   

"لقد ولّى زمن نفاق كندا وتواطئها في جرائم الاحتلال الإسرائيلي. يجب على الحكومة الكندية التحرك الآن!".

كما يطالب البيان بالإفراج الفوري عن 10,000 أسير فلسطيني محتجزين كرهائن، يتعرضون للتعذيب والاعتداء الجنسي من قبل الكيان الاستعماري الإسرائيلي. ويطالب باتخاذ جميع الوسائل اللازمة لإنهاء الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني والحصار غير القانوني المفروض على غزة فورًا، وفرض عقوبات فورية على إسرائيل، بما في ذلك إنهاء اتفاقية التجارة الحرة بين كندا وإسرائيل، وقطع جميع العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والمالية والثقافية معها؛ وفرض حظر شامل على توريد الأسلحة والمعدات العسكرية إلى إسرائيل؛ وإدانة الهجمات العسكرية المنسقة التي شنّتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على 14 مواطنًا كنديًا، 13 منهم اختُطفوا، في المياه الدولية يومي 29 و30 أبريل/نيسان و18 و19 مايو/أيار 2026، على متن قوارب تابعة لأسطول الصمود العالمي وتحالف أسطول الحرية لكسر الحصار المفروض على غزة، وإجراء تحقيق شامل فيها.

يأتي هذا الحوار مع الناشطة التونسية صفاء الشابي التي كانت على متن أحد سفن "أسطول الصمود العالمي"، كشهادة على تفاصيل الرحلة، وما رافقها من أحداث، وتجربة الاعتقال، وانعكاساتها الإنسانية والنفسية.


صفاء الشابي وفريق من "أسطول الصمود العالمي" خلال رحلة كسر الحصار عن غزة

 

ما الذي دفعكِ على المستوى الشخصي والإنساني لاتخاذ قرار المشاركة في هذه الرحلة؟

"أسطول الصمود العالمي" (Global Sumud Flotilla) أنا أسّست الفرع الكندي منه. وقد أنشأت الوفد الخاص به. بالنسبة لي، هذا المشروع جاء امتدادًا لتجربة سابقة، إذ شاركتُ في Global March to Gaza  من مصر، وبعدها استمر العمل بشكل تراكمي؛ بدأنا بالأسطول الأول ثم الأسطول الثاني.

في الأسطول الأول لم نشارك كوفد كندي، أما في المرة الثانية فكان مهمًا بالنسبة لي أن يكون هناك وفد كندي، خاصة أننا لاحظنا أن الإبادة في غزة لم تعد من أولويات الإعلام بشكل عام، مع استمرارها وتواصلها. كان هناك تغييب كامل لقضية غزة، ولذلك كنا نرى ضرورة إعادة تسليط الضوء عليها من جديد، وعلى الحصار والإبادة وكل ما يجري هناك.

كان الهدف أن يساهم هذا الأسطول في إعادة وضع غزة كمحور أساسي في النقاش الدولي، وأن نُعيد الحديث عن الإبادة مرة أخرى، وأن نُحرج الدول المشاركة، خاصة أن حوالي خمسين دولة كانت مشاركة في كل أسطول، بحيث تُصبح كل دولة مسؤولة بشكل مباشر عن موقفها تجاه ما يحدث.

كم كان عدد المشاركين من كندا في الأسطول، وكيف توزّعوا على السفن؟ هل كنتم جميعًا على متن سفينة واحدة أم في مواقع مختلفة؟

كنا اثني عشر شخصًا من مونتريال. من مونتريال كان هناك مجموعتان:
هناك "أسطول الصمود العالمي" وهناك "أسطول الحرية". أنا الوحيدة المشاركة من مونتريال من "أسطول الصمود العالمي"، أما من "أسطول الحرية" فكان هناك اثنان: إيهاب لطيف وأوليفييه.

لم نكن جميعًا على سفينة واحدة. هناك خلط يحدث بين "أسطول الحرية" و"أسطول الصمود العالمي".  أسطول الحرية يتكوّن من خمس سفن، وكان الكنديون منه على سفينة واحدة.

أما "أسطول الصمود العالمي"، فكان يتكوّن من حوالي خمسين سفينة، رغم أنه تم "خطف" 22 سفينة، ما يعني أننا كنا سنصل إلى حوالي 70 سفينة. بصراحة كان العدد كبيرًا جدًا. كنا نأمل أن نكمل الرحلة وألا نبقى في منتصف الطريق، كان هدفنا أن نصل إلى غزة .لكن للأسف واجهتنا صعوبات، إذ حصلت عملية "الخطف" التي حصلت للأسطول في اليونان، وكذلك "ألف مادلين" (Thousand Madleens to Gaza) التي كان من المفترض أن تشارك بحوالي 40 سفينة لكنها لم تشارك بسبب ما حدث. 

(أحد القوارب الإسرائيلية التي هاجمت السفن البحرية المتجهة لغزةـ عن صفحة فيسبوك صفاء الشابي)

 

هل تم اعتقال جميع من كان على متن السفن الـ22؟

نعم، هذا ما حدث. كان ذلك في اليونان، وقد حصلت عمليتا اعتقال.

خرجنا من برشلونة يوم 12 نيسان/ أبريل، وكنا حوالي 40 سفينة. ثم توجهنا إلى إيطاليا، ومن إيطاليا إلى اليونان، ثم إلى مرمريس، ومن مرمريس إلى غزة. كنت في هذه الرحلة كلها التي استمرت حوالي شهر ونصف في البحر. أنا خرجت من برشلونة منذ البداية، وكنت موجودة في الأسطول منذ انطلاقه. وفي كل محطة كانت هناك وفود كندية تنضم إلى السفن.

عندما وصلنا في 29 نيسان/ أبريل، تم اختطاف 22 سفينة في المياه الدولية قرب جزيرة كريت. وتم اعتقال حوالي 180 مشاركًا، بينما كنا في المجمل قرابة 500 مشارك. بعض المعتقلين واصلوا الرحلة لاحقًا، بينما عاد آخرون أو لم يتمكنوا من الاستمرار.

ثم في مرمريس كانت هناك وفود أخرى تنضم في كل مرحلة. وبحكم أن محطات مثل برشلونة وإيطاليا واليونان تُعتبر من دول الشمال، فإن إجراءات التأشيرات تكون أسهل فيما هي معقدة لمشاركي دول الجنوب. لذلك كان أغلب المشاركين من دول الجنوب ينضمون من تركيا، ولهذا أصبح هناك وفد كبير في تركيا، وشاركت أيضًا دول عربية بشكل أكبر.

ومن تركيا توجهنا نحو غزة. وفي النهاية كان عدد السفن حوالي ستين سفينة، تضم أيضًا سفن أسطول الحرية، بحضور نحو خمسمائة مشارك من خمسين دولة.

إلى أين وصلتم تحديدًا؟

وصلنا إلى حوالي 250 ميلًا بحريًا من غزة، وهناك في المياه الدولية تم اختطافنا. تم الاختطاف على مدار يومين، حيث كانوا يختطفون السفن واحدة تلو الأخرى بشكل متتابع حتى ينتهوا منها.

وقد تم اعتقالي أنا أيضًا مع آخرين على السفينة التي كنتُ عليها، وخضت التجربة معهم.

هل يمكنكِ أن تصفي لنا بالتفصيل ما حدث لحظة اعتراض السفينة وكيف تمت عملية الاختطاف؟

عندما كنا على بعد حوالي 250 ميلًا من غزة، وكان ذلك يوم الاثنين 18 أيار/ مايو، حوالي الساعة العاشرة صباحًا، بدأت عملية تشويش على كل ما يتعلق بالراديو VHF، وهو الوسيلة التي كنا نتواصل بها بين السفن.

أولًا بدأ التشويش على أجهزة الاتصال، ثم تم قطع الإنترنت بشكل كامل عبر ستارلينك. وفي كل مرة يتم فيها تنفيذ عملية اختطاف، يحدث هذا النمط: تشويش، قطع للإنترنت، ثم يتم تشغيل أغاني وموسيقى عبر الراديو، ما يُسمى بالنشيد الوطني الإسرائيلي.

بعد ذلك كانت تظهر طائرات مسيّرة تحوم حول السفن، ثم تأتي سفن حربية صغيرة تحمل جنودًا من الجيش الإسرائيلي. وكانت كل سفينة تحمل اسمًا فلسطينيًا يرمز إلى مدينة فلسطينية منذ النكبة. السفينة التي كنتُ عليها كان اسمها "خبيزة"، وهو اسم قرية قريبة من حيفا، وقد تعرضت للتهجير والدمار في زمن النكبة، وتحولت لاحقًا إلى قرية إسرائيلية.

وعند لحظة الاختطاف، كان التشويش مستمرًا، ثم حوالي الساعة الثانية عشرة تم تنفيذ عملية الاختطاف بشكل كامل. جاءت سفن سريعة جدًا، على متنها نحو 14 جنديًا مسلحين ومقنّعين كالمجرمين، وداروا حول السفينة بطريقة تسببت في إحداث اضطراب في توازنها عبر الأمواج، ثم أطلقوا النار باتجاهها.

بعدها طلبوا منا إيقاف السفينة، فقمنا بذلك، ثم صعد الجنود إلى متنها وطلبوا منا الانتقال إلى الجزء الأمامي منها. وبعد التفتيش، أنزلونا إلى سفينتهم، وهي سفينة عسكرية تحتوي على سجن بحري.

أمضينا ليلتين في هذا السجن الموجود داخل السفينة الحربية.

وبسبب أننا كنا حوالي 500 مشارك، تم توزيعنا على سفينتين حربيتين كبيرتين جدًا. كانوا يختطفون السفن واحدة تلو الأخرى، وقد استغرق الأمر يومين تقريبًا لإتمام عملية السيطرة على كامل الأسطول.

بعد اعتراض السفينة واختطافكم، ما هي الوجهة التي نُقلتم إليها، وكيف كانت ظروف الاحتجاز والمعاملة التي تعرضتم لها منذ تلك اللحظة؟

عندما تم اختطاف الجميع، تم نقلنا إلى سجن ميناء أشدود. أما في السجن البحري الموجود على السفينة الحربية، فقد تعرضنا كالعادة للضرب والإهانة.

كان السجن عبارة عن حاويات (كونتينرات) مخصصة لنقل البضائع في البحر، تم تحويلها إلى أماكن احتجاز. كانت هذه الحاويات تُغلق ويُحتجز بداخلها الأشخاص. كنا تقريبًا حوالي 200 شخص داخل هذا السجن، وكانت الحاوية صغية وضيقة.

كانوا يعطوننا الماء والخبز فقط، يُرمى إلينا من الأعلى. وبقينا ليلتين داخل الحاويات دون أي شيء تقريبًا، في برد شديد، خصوصًا أنهم قبل إدخالنا كانوا يجردوننا من معظم ملابسنا، بحيث يُسمح فقط بطبقة واحدة خفيفة، مثل قميص (تي شيرت)، ويُصادرون أي شيء إضافي مثل الجاكيت أو غيره.

بقينا يومين نتعرض للتعنيف والضرب، بما في ذلك إطلاق النار بالرصاص المطاطي. خلال هذه الفترة كان هناك عنف شديد جدًا وضرب قاسٍ.

بعد ذلك تم نقلنا إلى ميناء أشدود، حيث خضعنا لإجراءات الهجرة، إذ اعتبرونا أننا دخلنا بشكل غير قانوني.

وعند الوصول، تم تقييد أيدينا بالأصفاد، وتعرضنا للضرب. وفي ميناء أشدود كان يتم تشغيل النشيد الوطني الإسرائيلي بشكل متواصل لمدة ساعتين أو ثلاث وبصوت عالٍ جدًا، بينما كنا ملقين على الأرض. وإذا حاول أحدنا رفع رأسه، يتم ضربه.

ثم استُكملت إجراءات الهجرة، وبعدها تم نقلنا إلى سجن النقب. وعند نقلنا إلى هناك، كنا مقيدين بأصفاد حديدية في اليدين والقدمين.

أمضينا ليلة في سجن النقب، وهناك ظهر إيتمار بن غفير في الفيديو الشهير الذي انتشر، حيث كنا في إجراءات الهجرة. في تلك اللحظة كان يقوم بإهانتنا وشتمنا، ويقول لنا إننا "حماس"، وكان يسبّنا ويصفنا بالإرهابيين.

وفي سجن النقب تكرر نفس النمط، بل كان العنف في كل مرحلة أشد من السابقة. تم تعنيفنا وضربنا بشكل مستمر، ولم يُسمح لنا بالنوم. كل ساعتين أو ثلاث كانوا يخرجوننا من الزنازين بحجة “إجراءات”، ثم يضربوننا ويعيدوننا، ويتكرر الأمر باستمرار.

وبعد ذلك، وبسبب الضغط الذي مارسته الدول، تم الإفراج عنا، وتم ترحيلنا إلى تركيا عبر ثلاث طائرات تركية. وقد تم ترحيلنا من مطار إيلات. وصلنا إلى إسطنبول، ونحن حاليًا في إسطنبول، وغدًا إن شاء الله سنعود إلى بلادنا

كيف أثرت هذه التجربة عليك نفسيًا؟ هل غيّرت نظرتك تجاه العمل الإنساني، هل زادت من إصرارك أم أنها أخافتك من العودة إلى مثل هذه التجربة؟

بصراحة، أكثر شيء جعلني أعيش التجربة عن قرب هو رؤية الواقع الخاص بالسجون. من الناحية النفسية، بالطبع كان هناك ترهيب وتأثير نفسي.

شعرت أن التجربة كانت مهمة جدًا، لأنه عندما يكون لديك 500 شخص من 50 دولة في العالم يعيشون تجربة كهذه، فإن ذلك يجعل دولهم تتحرك وتتكلم عن الأمر. لأننا نعلم للأسف أن العالم لا يتحرك عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين فيما يخص السجون والتعذيب، رغم وجود أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، ومنذ سنوات طويلة نتحدث عن ذلك دون استجابة تُذكر.

لكن ما حدث مع الأسطول جعل الناس ترى الأمور بشكل أوضح، وربما تشعر بها بشكل مختلف، لأن المشاركين لم يكونوا فلسطينيين، وهذا جعل العالم يرى الواقع بشكل مباشر.

أثارت المشاهد المنشورة للمعتقلين موجة إدانات دولية

 

ما أكثر لحظة أو مشهد من داخل السجن بقي راسخًا في ذاكرتك حتى الآن؟

نعم. داخل السجن كانت هناك صورة كبيرة لغزة مدمرة بالكامل، ومكتوب عليها: "هذه غزة الآن".

وفي تجربتي داخل سجن النقب، وهو قريب من غزة، وكان يُنقل إليه العديد من الأسرى من غزة، كانوا يغيروننا كل ساعتين أو ثلاث من غرفة إلى أخرى.

في كل غرفة كنا نرى الجدران مليئة بكتابات الأسرى الفلسطينيين. رأيت رسائل لأسرى من خان يونس وجباليا وغزة، يكتبون أسماءهم ورسائل لعائلاتهم: للآباء، للأمهات، للأبناء، للأزواج، وللزوجات. كانت رسائل مليئة بالشوق والمحبة.

الجدران كانت تتحدث بالفعل… صدقيني، الحيطان وحدها كانت تحكي.

كانوا يحسبون أيام السجن على الجدران، ويرسمون تقاويم بسيطة لتتبع الأيام.

حتى آيات من القرآن كانت مكتوبة على الجدران، ويبدو أنهم يحفظون القرآن داخل السجن. كنت أترجم هذه الكتابات لغير العرب معنا، وأشرح لهم ما هو مكتوب، وكان ذلك مؤثرًا جدًا.

عندما تقرأ كل ذلك، تشعر بثقل التجربة وقسوتها.

وإن شاء الله، أول ما نصل إلى مونتريال، سأكتب عن هذه التجربة، لأن ما رأيناه على الجدران يزيد الإحساس بمرارة الواقع داخل السجون.

هل تعتقدين أن الإدانة الكندية لما حصل كافية، أم أن المطلوب هو خطوات عملية مثل مراجعة العلاقات أو اتخاذ إجراءات دبلوماسية؟ وما الذي تطالبون به تحديدًا؟

هدفنا كان دائمًا أن تتحدث الحكومة الكندية عن الواقع الفلسطيني. وأعتقد أن هذا الأسطول ساهم نوعًا ما في تحريك العديد من الدول، حتى إن بعضها وجّه رسائل إلى السفارة الإسرائيلية.

اليوم، جاءت القنصلية الكندية في تركيا وأخذت شهاداتنا، وهم بصدد دراسة ما يمكن اتخاذه من خطوات تجاه إسرائيل. وسنواصل هذا المسار، وسنذهب لاحقًا إلى المحكمة الدولية لتقديم قضية ضد إسرائيل باسم جميع الدول المشاركة. لدينا شهادات كل المشاركين، وسنستخدمها في هذه القضية. وستكون هذه خطوة قادمة، لأن ما حدث ليس نهاية الطريق، بل بداية خطوات أخرى قادمة.