صدى اونلاين - مونتريال
أحيت كشافة ومرشدات المسلم في مونتريال، عصر الأحد، ذكرى القائد الكشفي الحاج علي شحادي، الذي استشهد في منزله في جنوب لبنان جراء عدوان إسرائيلي استهدف المدنيين. واستعاد القادة والرفاق في كلماتهم ملامح شخصية كشفية وإنسانية تركت أثراً عميقاً في مسيرة العمل الكشفي والجالية، حيث أجمع المتحدثون على أن الراحل كان نموذجاً للقائد الذي جمع بين الطهارة والإخلاص والصدق والثبات، وبين الحزم واللين في التربية، إلى جانب كرمه وإنسانيته. كما استحضروا دوره في تأسيس العمل الكشفي في مونتريال، وتمسكه بوطنه وأرضه بعد عودته إلى لبنان، وصبره وإيمانه العميق، وحرصه الدائم على رعاية الأجيال وجمع الناس على الخير والمحبة.

قدم للمناسبة الحاج بسام بسام وافتتحت باي من القران الكريم للقائد الكشفي الحاج محمد الحسني بحضور عشرات الكشفيين وابناء الجالية.

باسم بسام : كان طاهر القول الفكر والعمل وصادق الوعد والكلمة
في تقديمه قال الحاج بسام " قائد علي... ها نحن اليوم نقف بقلوب مثقلة بالحزن... والصمت ابلغ من الكلام … لأن رجلاً من طينة النور قد رحل.
اليوم لا نودّع اسمًا عابرًا في سجل الحياة، بل نودّع قلبًا كان يخفق بالخير، وروحًا كانت هادئة كنسمة هادئة تحيي الارض اينما مرت...
القائد علي شحادي…
رحلته بدأت بعيدًا في كندا مونتريال بين صفوف القادة في كشافة ومرشدات المسلم، بل ركنا أساسيا في تأسيس هذه الجمعية
من هنا تعلمنا منه أن يكون للإنسان معنى، وأن يكون للعمل طريق طويل من الصبر والتضحية والعطاء. قبل أن يحمل قلبه وزاده وعطاءاته ليفرغها في احضان الوطن منذ ما يقارب الخمس وعشرون عاما
تركنا ولم يتركنا ولم نتركه... فكان متجره في النبطية محطة صداقة إنسانية وكشفية لكل مشتاق لمدة خمس وعشرين عاما
يسأل عن الجميع ويحمل الجميع للجميع السلام . فكان طاهر القول الفكر والعمل صادق الوعد والكلمة، ثابت الخطوة… لم تغيره السنون
فكانت الطهارة والاخلاص والطمأنينة تسكنه كما يسكن النور في بدر منير .
رحل القائد علي جسدا ولكن روحه تبقى كالنور في دروب المحبين وصوتا يحمل بين طياته صداقة عمر وسلاما واشتياقا من رفقاء الدرب القادة في كشافة ومرشدات المسلم".
وسام حريري : لم تترك بيتك، لم تترك أرضك، لم تترك وطنك
وكانت شهادة من القائد الكشفي الحاج وسام حريري جاء فيها " القائد علي، تحية لك. ماذا عساي أن أذكر؟ أتذكر أول درس، أول لقاء، أول توجيه كان بحضورك. لقد كنت القائد الأول، فلروحك الطاهرة تحية. تحية لتلك الابتسامة التي كانت دائماً مخفية، وتحية لكل التعاليم التي غمرتنا بها.
"منذ عام تقريباً، تشرفت بلقائك في لبنان. كنت دائماً تسأل عن الكشافة، وعن أحوال الشباب، وتوصينا بالاعتناء بهم. كانت هذه وصيتك الوحيدة التي لم تفارقنا.
"لك التحية حتى في مماتك، وفي ثباتك. الدروس التي كنت تمنحنا إياها باستمرار، ومواقفك الثابتة. لم تترك بيتك، لم تترك أرضك، لم تترك وطنك. وكأنك كنت تقول: نعم، هناك أناس لهم حق، والحق يعود لأصحابه، ودائماً سيعود الحق لأصحابه. نحن أصحاب حق، نحن أصحاب أرض، الأرض ملك لنا، والوطن سيبقى وطننا.
"لقد تركت كندا وعشت هنا، عشت هنا لأنك أحببت هذا البلد، وانتميت لهذه المنطقة، وأردت البقاء فيها. لك التحية. وهنيئاً لك هذا الوسام، أسمى وسام يمكن أن يحصل عليه المرء، لقد نلته، فهنيئاً لك. رحم الله روحك، وإلى جنات الخلد إن شاء الله".

محمد الحسني : في شَخصيَّتِهِ الكَشفيَّةِ، كانَ يَجمَعُ ما يَندُرُ أن يَجتَمِع في غيره
كذلك كانت شهاة مؤثرة من القائد الكشفي محمد الحسني الذي قال " لكُلِّ واحِدٍ مِنّا ذِكرياتٌ معَ الحاجِّ علي.
كانَ مِن تلكَ الشَّخصيّاتِ الَّتي لا يُمكِنُ أن تَعرِفَها وتُعاشِرَها ثُمَّ تَمضي في حياتِكَ مِن دونِ أن تَترُكَ فيكَ أَثَرًا.
في شَخصيَّتِهِ الكَشفيَّةِ، كانَ يَجمَعُ ما يَندُرُ أن يَجتَمِع:
الحَزمَ واللِّين، الانضِباطَ والمَحبَّة،الأُلفةَ والرُّؤية،والبَساطةَ معَ العُمق.
ومِنَ الكَلِماتِ الَّتي لا تَزالُ تَرِنُّ في أَذهانِنا، كواحِدَةٍ مِن دُروسِهِ الخالِدَة: النَّوعيَّةُ قبل الكَثرة.
أَذكُرُ أَنَّنا كُنّا، قَبلَ استِشهادِهِ بأيّام، في جَلسةٍ كَشفيَّة، فذَكَرناه، فعادَت هذهِ العِبارَةُ لِتَختَصِرَ نَهجَهُ وأُسلوبَهُ وطَريقَتَهُ في العَمَلِ والتَّربيةِ والبِناء.
أمّا على المُستوى الإنساني، فحَدِّث ولا حَرَج.
في آخِرِ زيارَةٍ لي إلى لُبنان، كانَ مِن البَدَهيّاتِ أَن أَراه، لأنَّ الزِّيارَةَ تَبقى مَنقوصَةً إن لَم أَمُرَّ على الحاجِّ علي.
وكعادَتِهِ، استَقبَلَني بكُلِّ عَطفٍ ومحبَّةٍ وكَرَم؛ ذاكَ الكَرَمُ الَّذي كانَ يُربِكُكَ مِن شِدَّةِ صِدقِهِ وبَساطَتِهِ.
قالَ لي يَومَها:“يلا دَقيقة، رَح سَكِّر المَحلّ ونَروح نِتغدّى سَوا.”
وحينَ أَصرَرتُ، أَبى إلّا أَن يُضيفَني شَيئًا.وكأنَّه، حتّى في التَّفاصيلِ الصَّغيرة، كانَ يُريدُ أن يَترُكَ بَصمَتَهُ الإنسانيَّةَ الدّافِئَة.
وأَذكُرُ أَنَّها كانَت مِن أَطيَبِ حَبّاتِ التَّمرِ الَّتي أَكَلْتُها، لأنَّها كانَت مِن يَدِهِ… ومِن قَلبِهِ.
الحاجُّ علي لَم يَكُن مُجرَّدَ قائِدٍ كَشفي. كانَ مَدرَسَةً في الأَخلاق، والالتِزام، والاحتِضان، وحُسنِ الأَثَر.
كان مِمَّن يَمُرّون في حَياةِ النّاس، فيَترُكونَ فيها شَيئًا لا يُنسى.
***
محمد شرارة : عند الامتحانِ، صدقَ وعدَهُ
ومن بين الذين تأثّروا بالحاج، الأخ محمد شرارة، الذي عرفه منذ أن كان صغيراً في فرقة البراعم، حتى أصبح قائداً. وقد كتب في رثائه كلماتٍ مؤثّرة جاء فيها:
"كُنّا أطفالًا نَلْعَبُ ونلهو في بيت الكشاف، نجوبُ السجادة الخضراء ذهابًا وإيابًا،
طاقةٌ لا يُخمِدُها سوى صافرةُ التجمُّع العاجلة وهيبةُ النظرة الحادّة للقائد علي شحادة.
يصطفُّ الجميعُ كما هو مُقَرَّر، ويَفتَتِح النشاط بصوته الجهوري
ولَكْنَتِه الجنوبيّة الأصيلة
وخشوعه وإيمانه بالرّسالة القيّمة والأسلوب الكشفي المنضبط.
أذكر أنّهُ كان حامل همَّ كُلَّ بُرعُمٍ وزهرة،
فيسقيها من معين عطائه برفقٍ وعنايةٍ وتوكّل،
آملًا أن تُثمرَ قادةً تتناقل هذا الهمَّ الرّساليَّ الفعّالَ جيلًا بعد جيل.
في عام التّحرير، عاد الجنوبيُّ إلى أرضه التي ما فارقته يومًا.
فكيف للجذورِ المُمْتَدّة في الأرضِ أن تستغنيَ عن غذائها ومائها؟
وكيف للرّوحِ الهائمة أن تَترُكَ سماءَ حُبِّها وشمْسَ حُرّيتِها؟
عاد الحاج علي إلى النّبطية، حيثُ شرَعَ ببناءِ بيته بيَدَيه وشغفِه،
وقد صمَّمهُ بدِفئ اللقاء بعد شوقٍ طويل،
فكأنّهُ يَحفُرُ في كُلِّ زاويةٍ مكانًا للأمل،
ويكتُبُ على كُلِّ جدارٍ قصيدةً للمقاومة والتحرير، ويُناجيهِ بالفنِّ الحرَفيِّ الكشفيِّ كمَن يُسامِرُ رفيقَهُ الأبَديَّ…
يُعاتِبهُ حينًا على الفراق المُرِّ الطويل،
ثمَّ يعانقُهُ عِناقَ التوّاقين إلى صُحبة الأيام القادمة.
كانَ هذا البيتُ مِرآةَ روحِه، لم أدخُلهُ يومًا إلّا غمرني الدّفء والسّكينة، فأَنِستُ واستبشرت.
يُلاقينا "بِحِشكَته" وتأهيله المعهودَين، ويُغدِق علينا من محبّته الصادقة.
وما إن يُهِمَّ والدي بالرّحيل، حتّى يستحلفَه أن نبيتَ عندهُم الليلة.
وإذا رحلنا حمَّلنا ما لذَّ وطابَ من خيراتِ أرضِه.
كَان مُجرَّدُ ذِكرِه وعائلَتِه يُفرِحُنا، شعورٌ فطريٌّ يلامِسُ القلب.
طهارتُهُم وحُسنُ خُلُقِهم وإيمانِهم وتسليمِهم ليس تفصيلًا…..بل خريطةُ حياة.
مرَّت السَّنواتُ، وهو مغروسٌ في تلكَ الأرضِ كالجبال الرّواسي، عاهدها أن لا يُفارِقها مُجدّدا..
وعند الامتحانِ، صدقَ وعدَهُ، وصمد فيها ثلاثًا وثلاثينَ يومًا، مع جبالها ووديانها، يُبلسِمُ جراحها مُستعينًا "بالصّبر والصّلاة، وإنّها لكبيرةٌ إلّا على الخاشعين"، ففاز معها بالنّصرِ الإلهي الكبير.
والصّبرُ سِمَتُه المعهودة، هو الذي ابتلاهُ الله بفقدِ ولدهِ البِكر، فكانَ مؤمنًا بقضاء الله وقدره، مُحتسبًا عنده أجرَ الصّابرين.
كان مواسيًا للمُعزّين، يُهدِّئ تلَعْثُمَهُم بكلماتِ الله واطمئنانٍ قلَّ نظيرُه.
بقيَ الحاج علي في بيتِهِ الذي بناهُ وعَمَرَهُ بذكرِ الله، أبى أن يترُكَهُ للغزاة الظّالمين،
قالَ "لا" كسيّديه وأوليائهِ، مُدويةً فوق هدير الطّائراتِ المهزومةِ العاجزة.
فاز مرّةً أُخرى،
لكنّها الشهادةُ التي طالما طلبها مُقبلًا غير مُدبر.
من بيت الكشّافة إلى بيته، كُنّا نظُّنُّ أنه يبنيها لأهلها، لكنّهُ كان يبنيها……..بيوتًا لله.
لم يُعكّر صفوة قلبِهِ حُزنٌ أو غمٌّ أو شك، لم يَقلَق على الساعة القادمة بعد أداء التكليف والأمانة التي عُرضت على السّماوات والأرض، لأنَّ الله أحسن إليهِ بالأداء والهداية…
والنّتيجة أنّهُ غَفَى دون قَلَق،
وسيستيقظ! ليَعبُدَ الله من جديد، ولِيَرَ نصرًا موعودًا ولو بَعدَ حين…*
*المقطع الأخير هو ما كتبه السعيد قبل شهادته بأيام قليلة.

الكشفي احمد هلال طه :
في كلمته بالعامية قال احد الكشافة الذين عرفوا الراحل علي شحادة عن قرب قال " هنيئًا لك الشهادة يا عمو علي حبيبي، وهنيئًا إلك هالفوز العظيم. والله يا عمو علي ما صدقنا الخبر… كنت دايمًا تردد هالكلمة، وكل ما نشوفك كنت تقولها بمحبة.
طفولتنا كلها قضيناها معك، مع عيلتك ومع أولادك، ببيتك وبمحلك. كنت من أول الناس اللي يوقفوا حدنا وحد عيلتنا وحد كل الناس، بالفرح وبالحزن، وبكل صغيرة وكبيرة.
كنت دايمًا تقول لي: يا أحمد، إنت متل ولادي، متل حسن وحسين. وكنت توصيني دايمًا: دير بالك على بيّك. كنت قريب منه كتير.
ما كانت تمر عطلة، جمعة أو أحد، إلا ويكون في ترويقة عندك بالمحل تجمع الجيران والأحباب. كنت تحب تجمع الناس على الخير والمحبة.
ومن الكلمات اللي ما بنساها منك:
"أحلى صباح لأحمد، لأحلى أحمد"،
وكنت دايمًا تقول: المشتاقون حتى ينقطع النفس.
حتى بعد ما جيت على كندا، ما بنسى كيف أصريت توصلني عالمطار. محبتك ووصيتك كانت دايمًا: سلّموا على الجميع.
الله يرحمك يا عمو علي، ونسأل الله يتقبلك من الشهداء".

يوسف سبيتي : كان إنسانًا خلوقًا، معروفًا بحسن بابتسامته الدائمة
كذلك كانت شهادة من الحاج يوسف السبيتي الذي عايش الشهيد في بداية تاسيس الكشاف في مونتريال وبعدها حيث قال : "غالبًا ما نلاحظ أن الشهداء يكون لديهم صفات خاصة: الطيبة، الإيمان، والصدق. والأخ علي كان من هؤلاء الناس الذين يشهد لهم الجميع بحسن أخلاقهم. الكثير منا عرف القائد علي شحادي عن قرب، خاصة هنا في مونتريال. كان إنسانًا خلوقًا، معروفًا بحسن أخلاقه وبابتسامته الدائمة. كان دائمًا يحاول يكون حلقة وصل بين الجميع، ويجمع الناس على الخير والمحبة.
هذا الشعار كان يؤمن فيه فعلًا: أن من يزرع يحصد . والقائد علي كان من الناس الذين زرعوا في هذه المؤسسة، واليوم نرى ثمار هذا العطاء بشباب وشابات يقدّمون جهودهم في سبيل الله، حتى في هذا البلد. والكل يعرف أن الإنسان في الغربة عندما يعطي من وقته وجهده وصحته وحتى من وقته مع عائلته، فهذا عطاء كبير يختاره الله لعباده المخلصين.
كل زيارة كنا نقوم بها إلى لبنان، كانت محطتنا عنده في محله. نجلس معه، نشرب القهوة، ونلتقي بابتسامته وضحكته وذكرياته الجميلة.
بعد استشهاد القائد علي سيبقى في قلوبنا دائمًا. هؤلاء الأشخاص لا يرحلون حقًا… قد يرحلون جسديًا، لكن روحهم تبقى بيننا.
نسأل الله أن يرفع مقامه في الجنة، وأن تكون هذه الدماء الطاهرة جسرًا نحو التحرر والكرامة".

فيصل جنبلاط : ظل متمسكا بالوطن والارض
احد اصدقاء الشهيد الحاج فيصل جنبلاط تحدث عن تمسك الشهيد وارتباطه بالوطن الام لبنان ورفضه المغادرة في عدوان تموز هو وعائلته مسلّما الامر لله، بالرغم من عدم جود اي شيء يربطه في ذلك الوقت للبقاء، من عمل او غيره .

علي شرارة: تبدو عليه سمة المؤمن الملتزم، وتتجلّى فيه صفات القائد الصادق
نجتمع اليوم بقلوبٍ يعتصرها الألم، ونقف وقفة وفاءٍ لرجلٍ من رجالات العطاء، وقائدٍ من قادة الرسالة، ممن تركوا في النفوس أثرًا طيبًا، وفي المؤسسة بصمةً راسخة، وفي مسيرة العمل التربوي والكشفي أساسًا لا يزول.في العام 1990، كنّا ثلّةً من الشباب المؤمن، نلتقي لقاءً أسبوعيًا في شقّة متواضعة، نتعلّم فيها مسائل الرسالة العملية في الفقه، ونتدبّر آيات القرآن الكريم، ونحيي الأدعية، ونقيم بعض الأنشطة الدينية والثقافية والاجتماعية.
وكان من ثمار تلك البدايات المباركة أن أطلقنا مدرسةً لتعليم اللغة العربية والقرآن الكريم، فكانت مدرسة المصطفى، التي ما تزال، بحمد الله تعالى، مستمرةً إلى يومنا هذا.
غير أنّنا أدركنا يومها أنّ المدرسة، على ما لها من دور عظيم، لم تكن وحدها كافيةً لحفظ أولادنا وصونهم من المخاطر والتحديات المحيطة، فكان لا بدّ من إطارٍ تربويٍّ أوسع، يصوغ الشخصية، ويبني الوعي، ويؤسس لجيلٍ مسلمٍ مسؤول، يحمل دينه، ويعرف واجبه، ويكون حاضرًا في مجتمعه وأمته.
ومن هنا، وُلدت فكرة الكشافة بصيغتها الإسلامية.
وفي مرحلة التأسيس، التحق بنا عددٌ من الإخوة والأخوات ممن امتلكوا الخبرة في العمل الكشفي والتربوي، وفي سائر المهارات اللازمة للبناء والانطلاق. ومن بين هؤلاء، برز شابٌّ في مقتبل العمر، في العشرينات من عمره، لكنه كان كبيرًا في حضوره، كبيرًا في وعيه، كبيرًا في التزامه ومسؤوليته.
كان مفعمًا بالحيوية، تبدو عليه سمة المؤمن الملتزم، وتتجلّى فيه صفات القائد الصادق: واضح الرؤية، سديد الرأي، صاحب خبرة كشفية، حسن الإدارة، واثق الخطوة، بعيد النظر، قوي الحضور، دؤوبٌ في العمل، لا يعرف الملل ولا الكلل، متوكّل على الله، سائر على خطى الأئمة والصالحين.
ذلكم هو القائد الحاج علي شحادة.
وإن كنت أقف اليوم على هذا المنبر، فإنّي أقولها بصدقٍ ووفاء: إنّ الحاج علي شحادة كان شريكًا أساسيًا في كل ما بلغته هذه المؤسسة من نموٍّ وثباتٍ واستمرار.
لقد أمضى، رحمه الله، عشر سنواتٍ كاملة، هي سنوات التأسيس والبناء، في خدمة جمعية كشافة ومرشدات المسلم، وبذل من وقته وجهده وفكره وخبرته، مع ثلّةٍ من الإخوة القادة الذين تعاقبوا على حمل هذه الأمانة، ومنهم من لا يزال مستمرًا إلى يومنا هذا.
لقد كان، رحمه الله، ممن وضعوا الأسس الأولى للعمل الكشفي الإسلامي في كندا، وأسهم في بناء قواعده الراسخة، فكان بحقٍّ أحد أعمدته الأساسية، وأحد رجاله الأوفياء. ولم ينقطع يومًا عن المتابعة، ولم يغب عن همّ المؤسسة، ولو من خلال تواصله مع الإخوة في الإدارة، وحرصه الدائم على المسيرة وأهلها.
وفي العام 2000، قرر العودة إلى الوطن، إلى قريته، فعاد وفي قلبه ذات الروح، وذات الإيمان، وذات العزم. بنى بيته، وأنشأ شركته في صيانة أجهزة الكمبيوتر، وكان حاضرًا في مجتمعه، ناشطًا في محيطه، صادق الحضور بين الناس.
وقد أصبح محلّه ملتقىً لكل من كان يقصد لبنان آتيًا من كندا، ولكل من عاد ليستقر في الوطن، فكان كما عهدناه دائمًا: قريبًا من الناس، فاتحًا بابه، حاضرًا في خدمتهم، وفي استقبالهم، وفي مواكبة شؤونهم.
ومنذ عودته إلى لبنان، رسم الحاج علي ملامح مستقبله بخطى ثابتة، وبصيرة واضحة، ورؤية راسخة. وقد اتخذ قراره الحاسم بأن يصمد في بيئته، وفي بيته، وفي ضيعته، وفي جنوبه، وألّا يتراجع مهما اشتدت الظروف وتعاظمت التحديات.
وفي عدوان عام 2006، جسّد هذا الثبات بأوضح صوره، فبقي مع عائلته صامدًا في بيته مدة ثلاثين يومًا، في موقفٍ يعبّر عن عمق إيمانه، وصدق انتمائه، وشجاعته، وتجذّره في الأرض والقضية والناس.
ولحكايتي معه معنىً آخر، معنىً شخصيًا عميقًا، لا تختصره الكلمات بسهولة. فقد كان، بكل صدق، مصداقًا حيًّا لقولهم: ربَّ أخٍ لك لم تلده أمك. ما كان بالنسبة إليّ مجرد صديق، بل كان أخًا حقيقيًا بكل ما تحمله الأخوّة من صدقٍ ووفاءٍ واحتواء. كان الصديق الأوحد في موقعه الخاص في قلبي، وكانت بيننا علاقة متينة، راسخة، صادقة، تجاوزت حدود المعرفة إلى عمق الألفة، وتجاوزت حدود الصداقة إلى رحابة الأخوّة. ولم تبقَ هذه العلاقة في إطارها الشخصي فحسب، بل امتدّت لتشمل العائلتين، حتى غدونا كأننا عائلة واحدة، يجمعنا ودٌّ صافٍ، ومحبةٌ صادقة، وتواصلٌ راسخ لا تصنعه المجاملات، بل تؤسسه المواقف ويثبّته الصدق والوفاء. وكنت كلما التقيته أشعر بفرحٍ خاص، وبحالةٍ وجدانية لا تشبه اللقاء العابر، لأن حضوره كان يبعث في النفس راحةً ومحبةً وطمأنينة، ويترك في القلب أثرًا لا يخطئه الإحساس. لقد كان أكثر من صديق، وأقرب من رفيق، وكان أخًا سكن القلب، وبقيت مكانته فيه من المكانات التي لا تغيب.
أيها الأحبة،
إنّ الحديث عن أمثال الحاج علي شحادة ليس حديثًا عن رجلٍ عابر في مسيرة مؤسسة، بل هو حديثٌ عن طرازٍ من الرجال الذين إذا حضروا أسّسوا، وإذا عملوا أخلصوا، وإذا رحلوا تركوا فراغًا لا يملؤه إلا الوفاء لسيرتهم، والتمسك بنهجهم، والاستمرار في الطريق الذي عبدوه بالتعب والصدق والتضحية.
وإنّا اليوم، إذ نفتقد هذا القائد العزيز، لا نرثي فقط رجلًا أحببناه، بل نستذكر مسيرةً من البذل، وصفحةً من صفحات التأسيس، ونموذجًا من نماذج الالتزام الهادئ، والعمل الصادق، والعطاء الذي لا يطلب جزاءً ولا شكورًا.
وفي الختام، باسمي، وباسم عائلة المرحوم الحاج علي شحادة، وباسم إدارة الكشافة، وجميع القادة والقائدات، وهيئة المدرسة، وكافة فروع ومؤسسات الكشافة، نتقدّم إليكم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان على حضوركم ومواساتكم ومشاركتكم لنا هذا المصاب.
إنّ حضوركم عزاء، ومواساتكم محلّ تقدير، ووقوفكم إلى جانبنا دليل محبةٍ ووفاءٍ وأصالة.
وإنّا لنعاهدكم، ونعاهد قائدنا الراحل السعيد، أنّنا باقون على العهد، مستمرون في الطريق، متوكّلون على الله، ثابتون على المبادئ، أوفياء للأمانة، سائرون على النهج الذي آمن به وعمل من أجله.
الفاتحة إلى روح المرحوم الحاج علي شحادة..
واختتم البرامج بمجلس عزاء حسيني لفضيلة الشيخ أحمد سليمان
31 مشاهدة
16 مارس, 2026
87 مشاهدة
16 مارس, 2026
33 مشاهدة
15 مارس, 2026