Sadaonline

عندما أتنكّر في زيّ مشجّع كرة قدم

أنا لا أشاهد كرة القدم للتسلية. أنا أحوّل كل مباراة إلى مؤتمر تاريخي مصغّر. أشجّع الفقراء ضد الأغنياء


د. علي ضاهر

كلما انطلقت بطولة كروية، أجد نفسي مضطراً لارتداء نظارة عالم الاجتماع، لا لمراقبة اللاعبين، بل لمراقبة ذلك الكائن البشري العجيب الذي يُدعى المشجّع. يا ساتر! بشر يرسمون على وجوههم خطوطاً تصلح لطقوس قبائل ما قبل التاريخ، ويرتدون أقنعة لا يعرف المرء أهي للفرجة أم لاستدعاء الأرواح، ويصرخون بطريقة تجعلني أظن أن الحكم أعلن نهاية العالم، لا مجرد ركلة ركنية. وأقسم، لو هبط كائن فضائي في أحد الملاعب، لعاد فوراً إلى كوكبه وهو يكتب في تقريره: "الأرض كوكب جميل، لكن سكانه يفقدون اتزانهم العصبي بسبب شيء اسمه تسلّل."
أما أنا، فالضحية الحقيقية لهذه اللعبة! حين أجلس أمام الشاشة، لا تبدأ المباراة، بل تبدأ جلسة طوارئ. أي فريق سأشجّع؟ بالنسبة إليّ، المباراة ليست تسعين دقيقة، بل اجتماع مشترك لمجلس الأمن، ومحكمة العدل الدولية، ومنظمة العفو الدولية، كلّها منعقدة فوق مستطيل أخضر، وأنا رئيس الجلسة الذي لا يعرف لمن يمنح صوته. أول مشكلة تواجهني هي غياب منتخب لبنان، وهو أمر يريح ضغط دمي، ويجنّبني احتمال الإصابة بجلطة كلما قرر أحد مدافعينا أن يختبر القذائف بطريقة مبتكرة. لكن غياب لبنان يريحني أيضاً من مأزق نفسي أكثر تعقيداً. فمن جهة، أتمنى فوز منتخب بلدي لأنه يمثل أبناء جلدتي، ومن ناحية أخرى، أتمنى من كل قلبي أن يخسر! لأنني على يقين بأن هذه السلطة الحالية العبقرية، التي شرّعت لعدو لبنان البقاء والتبختر في أرضه حتى يقضي على أبنائه المقاومين، سوف تسرق هذا الانتصار فوراً لتبييض وجهها، المصبوغ بالعار! ستخرج علينا ابواقها لتنسب الفوز لـلفهلوة والحنكة الشرسة في المفاوضات الكروية!  لذا، وبما أن لبنان خارج اللعبة وأنا لبناني المولد والمنشأ، أجد نفسي مضطراً لتفعيل شروط معقدة تفوق في مذلتها بنود "إطار التسوية" المخزي الذي وقعت عليه السلطة، فقط لعلّي أجد فريقاً كوكبياً يستحق شرف تشجيعي!
ولأن لبنان خارج البطولة، أبدأ رحلة البحث عن فريق بديل، وفق شروط أكثر تعقيداً من بنود أي تسوية سياسية وقّعتها حكوماتنا في لحظة ضعف تاريخية. لذا في غياب القضايا المصيرية، أتنازل وأشجّع كندا. نعم، كندا. تشجيعها يشبه الإجازة السنوية؛ أعلّق خلالها هموم الشرق الأوسط على علاقة الثياب، وأقنع نفسي بأن كرة القدم قد تكون مجرد كرة، ولو لساعة واحدة. لكن هذه الهدنة لا تدوم. فما إن تدخل المنتخبات العربية إلى الملعب حتى يعود المحلل السياسي الكامن داخلي إلى الخدمة. عندها تختفي التشكيلات والخطط التكتيكية، وتظهر الخرائط والتحالفات والمواقف من القضية المركزية. إذا لعبت مصر ضد الإمارات أو المغرب، تتحول شاشة التلفزيون إلى دار هندسة. أمسك بالمسطرة، وأقيس المواقف، وأجري الحسابات، وأصدر حكمي النهائي. مصر تفوز بتشجيعي غالباً، لا لأن محمد صلاح يلعب، بل لأن بوصلتي السياسية قررت أن الفراعنة هم حماة الديار! حتى لو كان أداؤهم أحياناً يسبب غصة في القلب وحرقة في المعدة.
وتبلغ الدراما ذروتها عندما تلعب السنغال ضد فرنسا مثلا. هنا لا أرى مبابي ولا مهاراته، بل أرى رصاصاً، ومستعمرات، ومتاحف باريس المليئة بالآثار المنهوبة. تشجيعي للسنغال ليس حباً في ماني أو إسماعيل، بل محاولة بائسة لتصفية حسابات الاستعمار الفرنسي عبر شاشة التلفزيون. إذا سجّلت السنغال هدفاً، أشعر بنشوة انتصار الثورة الجزائرية. وإذا خسرت، ألعن سايكس بيكو وألعن كل من وقّع عليه!
باختصار، أنا لا أشاهد كرة القدم للتسلية. أنا أحوّل كل مباراة إلى مؤتمر تاريخي مصغّر. أشجّع الفقراء ضد الأغنياء، والمستعمَرين ضد المستعمِرين، وأحاول إصلاح مظالم التاريخ بواسطة جهاز التحكّم عن بُعد. والمفارقة التي لا تفارقني، أن اللاعب الذي أهتف له باعتباره مناضلاً في مواجهة الإمبريالية، يتقاضى في أسبوع واحد ما يكفي لشراء النادي، والملعب، والكنبة التي أجلس عليها، وربما شراء المشجّع نفسه الذي يصرخ بجانبي ويرسم على وجهه ألوان الحرب!