Sadaonline

نفس المصدر، نفس الأسلوب: من واشنطن إلى كيبك

الخوف يحشد، والقلق يوحّد فئة من الناس حول خطاب معين، والشعور بأن الهوية مهددة قد يدفع الناخب إلى التصويت بدافع الدفاع عن نفسه

بقلم د. وليد حديد

هذه المقالة هدفها فهم ما يحدث في سياسات المجتمعات، وكيف يجري أحياناً استعمال الهوية وسيلة لتحقيق مكاسب انتخابية أو مصالح مادية، بدلاً من أن تكون مساحة للانتماء والتنوع والتعايش.

الانتخابات الأمريكية التي تعتمد على السخرية من الاسم والتشكيك في الانتماء، والعلمانية الكيبكية التي تمنع بعض الموظفين في القطاع العام من ارتداء الرموز الدينية، وتوسّع القيود على ممارسة الشعائر الدينية في بعض المؤسسات العامة والجامعات، تبدوان قضيتين مختلفتين.

واحدة تتكلم باسم الوطنية الأمريكية، والثانية تتكلم باسم العلمانية الكيبكية. لكنهما تتغذيان من مصدر واحد، وتتشابهان في الأسلوب والدوافع.

الأسلوب واحد.

في الحالتين، لا يبدأ النقاش بسؤال: ماذا تقترح؟ بل بسؤال: من أنت؟

في واشنطن، رأينا ذلك مع عبدول السيد وإلهان عمر وباراك أوباما. فقد تحولت أسماؤهم وأصولهم وخلفياتهم الدينية إلى مادة للتشكيك والسخرية، بدلاً من أن يكون النقاش حول برامجهم وأفكارهم وكفاءتهم.

وفي الحملة الانتخابية الأخيرة في ميشيغان، لم يكن التركيز على اسم عبد الرحمن السيد الكامل وخلفيته الإسلامية مجرد نقاش حول اسمه، بل أصبح وسيلة لتقديمه إلى الناخبين باعتباره غريباً عن المجتمع الأمريكي أو موضع شك في انتمائه.

أما في كيبك، فرأينا ذلك مع المعلمة المحجبة. فبدلاً من أن يكون السؤال عن كفاءتها المهنية وقدرتها على التعليم، جرى تحويل حجابها إلى معيار للحكم على مدى توافقها مع المجتمع وقيمه.
والنتيجة واحدة: هو ليس مثلنا، وبالتالي هو ليس منا.

بمجرد نزع صفة الانتماء عن الإنسان، تصبح عملية إقصائه أسهل. تتراجع الحماية الأخلاقية التي يفرضها الانتماء الإنساني والمجتمعي، ويصبح الظلم في نظر البعض أمراً قابلاً للتبرير؛ لأننا، في تصورهم، لا نظلم واحداً منا، بل نواجه غريباً.

ثم يأتي التبرير الأخير: إنه معتدٍ.

في أمريكا، معتدٍ على أمريكا الحقيقية. وفي كيبك، معتدٍ على القيم الكيبكية والعلمانية.

وهكذا يتحول الاختلاف من حق طبيعي إلى تهمة، ويتحول الدفاع عن الهوية من وسيلة لحماية المجتمع إلى أداة لإقصاء بعض أفراده.

أما الدوافع فهي متشابهة أيضاً، وهي التي تجعل هذا الأسلوب ناجحاً في تحقيق المكاسب الانتخابية والمادية.

الدافع الأول: كسب الأصوات من خلال صناعة الخوف.

عندما يعجز السياسي عن تقديم حلول مقنعة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، يصبح من الأسهل أحياناً أن يقدم للناس عدواً يخافون منه، بدلاً من أن يقدم لهم مشروعاً يثقون به.

فالخوف يحشد، والقلق يوحّد فئة من الناس حول خطاب معين، والشعور بأن الهوية مهددة قد يدفع الناخب إلى التصويت بدافع الدفاع عن نفسه، لا بدافع تقييم البرنامج الانتخابي.

وهنا تتحول الهوية إلى ورقة انتخابية، ويصبح الاختلاف وسيلة لحشد الأصوات.

الدافع الثاني: تحويل الأنظار عن القضايا الحقيقية.

بدلاً من الحديث عن غلاء المعيشة، وأزمة السكن، والصحة، والتعليم، والبطالة، تنشغل المجتمعات بمعارك حول الأسماء والأصول والملابس والمعتقدات.

وتصبح الأسئلة الأساسية مؤجلة، بينما يحتل سؤال الانتماء واجهة النقاش العام.

من المستفيد من ذلك؟ السياسي الذي لا يريد أن يُحاسَب على نتائج أدائه، أو الذي يجد في إثارة الانقسام وسيلة أسهل للاحتفاظ بشعبيته.

الدافع الثالث: صناعة سوق للمخاوف والمصالح.

ليست المكاسب دائماً انتخابية. فهناك مصالح إعلامية وتجارية تستفيد من إثارة الجدل، وتضخيم الاختلافات، وتحويل القضايا الاجتماعية إلى مادة دائمة للاستهلاك.

كلما ازداد الخوف، ارتفع التفاعل. وكلما اتسع الانقسام، أصبحت هناك سوق أكبر للخطابات المتطرفة، وللمنابر التي تتغذى على الصراع.

وهكذا قد تتحول معاناة الناس ومخاوفهم إلى مصدر ربح للبعض.

الدافع الرابع: توسيع النفوذ السياسي من خلال احتكار تعريف الهوية.

عندما ينجح طرف سياسي في إقناع الناس بأنه وحده يمثل الوطنية الحقيقية أو العلمانية الحقيقية، فإنه لا يكتسب أصواتاً انتخابية فقط، بل يكتسب سلطة معنوية على المجتمع.

يصبح هو من يحدد من ينتمي ومن لا ينتمي، وما الذي يُعدّ وطنياً وما الذي يُعدّ تهديداً، ومن ينسجم مع قيم المجتمع ومن ينبغي أن يُستبعد.

وهنا تكمن الخطورة؛ لأن القيم التي يفترض أن تكون ملكاً لجميع المواطنين تتحول إلى ملكية سياسية لفئة أو حزب.

لكن الأخطر من كل ذلك هو تطبيع الإقصاء.

فعندما يتكرر التشكيك في انتماء شخص بسبب اسمه أو أصله أو مظهره، يصبح المجتمع تدريجياً أكثر تقبلاً للتمييز ضده.

وعندما يُقدَّم الإقصاء على أنه دفاع عن الوطن أو حماية للقيم، يصبح من الصعب على الإنسان أن يميز بين حماية المجتمع واستعمال المجتمع لتحقيق أهداف سياسية.

وهنا لا بد من التمييز بين مفهومين أساسيين.

الوطنية لا تعني أن يكون الجميع متشابهين، والعلمانية لا تعني أن يكون الجميع بلا معتقدات أو رموز دينية.

الوطنية الحقيقية تقاس بمدى احترام حقوق المواطنين، والعلمانية العادلة تقاس بقدرتها على حماية حرية الجميع، لا بقدرتها على فرض نموذج واحد عليهم.

ومن حق المجتمع أن يناقش قوانينه وقيمه وحدود التوافق بين الحرية الفردية والمصلحة العامة، لكن ليس من حقه أن يحوّل الاختلاف إلى قرينة اتهام، أو أن يجعل هوية الإنسان سبباً للطعن في مواطنته وكفاءته.

إن الدولة التي تحترم مواطنيها لا تحتاج إلى أن تجعلهم متشابهين كي تثبت وحدتهم، ولا ينبغي أن تجعل حياد مؤسساتها مشروطاً بمحو الاختلافات الشخصية لمواطنيها.

من واشنطن إلى كيبك، قد تختلف الشعارات، وقد تتناقض المرجعيات، لكن الأسلوب واحد عندما تُستعمل الهوية لصناعة الخوف، ويُستعمل الخوف لصناعة المكاسب.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يختلف أفراده، بل أن يفقدوا القدرة على الاختلاف من دون أن يشكك بعضهم في انتماء بعض.

فالمجتمعات لا تُبنى بإلغاء الاختلاف، ولا تُحمى بتصنيف أبنائها إلى أصليين ودخلاء، بل تُبنى بالعدالة والمساواة واحترام الإنسان.

فالهوية التي تحتاج إلى إقصاء الآخرين كي تثبت وجودها، ليست هوية واثقة من نفسها..