Sadaonline

تحية طيبة وبعد...لو بقيت الاندلس .. هل كنا أكثر رأفة ؟

هل كان أحفاد الوليد بن عبد الملك كانوا سيقفون مع غزة وظلمها وشعبها كما وقفت الحكومة الاسبانية؟

غسان عجروش

الى الجهة الشقراء من الأرض أتجه.... تلك الرقعة الاوروبية التي تسمى " القارة العجوز" أو كنز العرب المفقود  .. أصل الى مطار Costa de Sol او " ساحل الشمس " في محافظة Malaga الاسبانية ، المطار كأنه خال من العنصر البشري ، غير الوافدين والمغادرين ، تتولى أمر معاملات الدخول بنفسك معتمدا على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتطورة ، لن يكلمك موظف الا حين إستعصاء . 
حين ملامسة اول شمس جرني الحنين الى ذلك التاريخ البهي من "الاندلس" ومدنها وشعرائها   ..إلى هناك توجهت .. حيث ما زالت الأرض تنطق بأسمائنا، في انسياب "الوادي الكبير"وأقواس "الحمراء" ومآذن "إشبيلية"  و" قنطرة قرطبة".. دروب وقرى حفظت نبض الإسلام وفصاحة العرب، وما زال نسيمها يردد صدى قوافي "ابن زيدون" و"المعتمد" لتظل شواهد الأندلس تنبض بحضارة عبرت هذا البحر وصنعت مجدا لا يمحوه الزمان.
إنطلقنا من هناك  نحو مدينة Seville أو "أشبيلية" ؛ تصفعك خلال السفر البري أسماء مدن مرت عليك في كتب التاريخ،  أمجاد العرب الغابرة في "مالقة Malaga "  Cortoba "قرطبة" ،  Granada ،غرناطة ، مربلة Marbella  وطليطلة  وأكثرها إستعمالا للساحات والمطاعم  والشوارع  Andalusia...  تأخذني مخيلتي إلى إرتفاع صوت الامس وتسأل نفسك كيف إستطاع العرب أن يخسروا كل هذه المساحات وما بينها من جبال وبحار  وقلاع ؟ كيف ..؟
 " سيفيل- إشبيلية"  يمر بها نهر "Guadalquivir" أو " الوادي الكبير" ليعطيها الحياة هناك لا تُعلنُ السماءُ موعداً لغيابها ولا تنام المدينة بسهولة ؛ نصل الى فندق "الفونسو ١٣" ، بناء شرقي إسلامي النكهة وبيزنطي مستحدث كي يمحي آثار الماضي ويتلاءم مع الحاضر .  هناك ترتفع أكبر كنائس العالم ،  كاتدرائية "سانتا ماريا"  على أنقاض مسجد "القصبة" الذي، شيده أبي يوسف يعقوب المنصور. تحار كيف وأين تجول.
 في المدينة كل شيء منمق وجميل وكل تفصيل يحاكي التاريخ، المدينة شهدت حروب المسلمين والبيزنطيين وحروب المسيحيين بين أنفسهم  الرومان البيزنطيين و (القوط ) والخيانة هي  الحليف الأبرز  لهذه الانتصارات .
السياح العرب وغير العرب منتشرين في كل مكان ، كل منهم له إهتماماته ،  هناك من تستهويه الآثار والهندسة والتاريخ وهناك من ينشد الحاضر وهناك مثلي من أراد الأثنين معا . تعامل الاسبان بحكمة حيث تركوا الاسماء على حالها ولو كانت مغربة قليلا وتركوا المعالم و الآثار شاهدة على أنتصار خالد حتى يومنا هذا .  
بالواقع زيارة أسبانيا لا تكفيها أسابيع لمعاينة ماذا أسس وماذا خسر العرب هناك ، قرطبة ومسجدها والجسر الروماني في غرناطة (قصر الحمراء ) جوهرة العمارة الاسلامية طليطلة مسجد باب المردوم أو  ( كريستو دي لالوس )  اشبيلية برج الذهب (Torre del Oro وقصر المورق. 
 "مربلة"  قلعة ماربيلا  (Murallas del Castillo)
بناها الخليفة عبد الرحمن الثالث الناصر لدين الله.وغيرعا وغيرها مما لا يعد ولا يحصى .  
بعد أن تزور المواقع الاثرية لهذه المدينة تتجه الى ميناءها وساحتها الممتدة بين وسط المدينة والشاطيء هناك  يعرض تماثيل أصلية وبرونزية للفنان السوريالي الشهير "سلفادور دالي". أما على المرفأ فحياة ثانية حيث يبرز الثراء العربي والبذخ والإسراف ، السياح العرب بكثرة من كل الاقطار بعضهم   متنقل وبعضهم مقيم دخلوا الاندلس زائرين، لا يعنيهم التاريخ ولا الجغرافيا ، يريدون أن يعيشوا الحاضر لا تهمهم الحروب وما يجري في الشرق الاوسط ولا تعنيهم قضية " فلسطين" ولا  دمار غزة ومجازرها ولم يسمعوا ربما ب "جنوب لبنان" وما يحدث هناك من قتل ودمار . أصحاب اليخوت الفاخرة من أمراء ومشايخ دول الخليج مشغولين برمي الخبز والسوشي لإطعام الاسماك التي تتواعد معهم كل مساء،   وعلى الجانب الآخر من رصيف المرفأ (Paseo Marítimo) تركن السيارات الحديثة والنادرة من كل الالوان،  الموديلات حدث ولا حرج تجذب الانظار  ومحط عدسات الهواة والمعجبين. 
ونسأل هل لو بقيت الاندلس في حضن العرب لأمست على على ما أمست عليه اليوم،  ليس كتطور فحسب بل كمبدأ وكإنسانية وكعدالة؟ هل كان  أحفاد الوليد بن عبد الملك كانوا سيقفون مع غزة وظلمها وشعبها كما وقفت الحكومة الاسبانية؟ ؛ هل كان أحفاد أحفاد طارق بن زياد وموسى بن نصير سيقفون بوجه الغرب مثلما تقف  حكومة وشعب أسبانيا  رغم الضغوطات والتهديدات؟ هل كان أحفاد عبد الرحمن الداخل وبنو عياد وبنو الأحمر أقل رأفة مع  اللاجئين المغاربة وغير المغاربة بالدخول الى غرناطة وقرطبة واعطائهم حق اللجوء،  أم زجوا بهم بالسجون وأرجعوهم الى بلادهم مكبلين ؟

*الصورة بعدسة غسان عجروش

معرض الصور