د. بلال العاملي - مونتريال
حاول المؤرخون الشيعة الكبار من أمثال الأستاذ الراحل الدكتور محمد علي مكي، و الراحل الدكتور سعدون حمادة و الشيخ الجليل كاظم ياسين، و الراحل الدكتور حسن الأمين و غيرهم, إعادة كتابة تاريخ الشيعة في لبنان بعد أن تم تهميشه من قبل المؤرخين اللبنانيين من أمثال كمال صليبا و فيليب حتي و غيرهم. فقد دأب هؤلاء على تغييب الشيعة عن الأحداث الكبيرة التي رسمت الأطر التاريخية الجغرافية و السكانية و السياسية للبنان الحديث، إما عمداً أو جهلاً.
لكن بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران أصبح للشيعة دور مهم في العالمين الإسلامي و الغير إسلامي، فبدأ الباحثون بدراسة الظاهرة الشيعية التي شكلت المحور الشيعي الممتد من إيران إلى لبنان مروراً بالعراق و سوريا، هذا المحور الذي حتى العام 2024م شكل تهديداً لإسرائيل و أمريكا في المنطقة و لايزال بالرغم من تغير النظام في سوريا و تحالفه مع الكيان الصهيوني.
لم يكن كبار الباحثين الغربيين على دراية بأهمية السيرة الحسينية و عاشوراء و حب الشهادة لدى الشيعة. فأثناء الإحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان الذي دام من عام 1982م إلى عام 2000م، و في تشرين الأول عام 1983م دخلت كتيبة من الجنود الإسرائيليين مع رتل من الدبابات مدينة النبطية خلال مراسم عاشوراء، و كالعادة يقوم الشيعة بتمثيل واقعة كربلاء التي استشهد فيها الإمام الحسين، فأشار أحدهم إلى الجنود الإسرائيليين و صرخ بصوت عال: "هذا هو الشمر (قاتل الإمام الحسين)". عند ذلك هجم شيعة المدينة العزل على الجنود الإسرائيليين وهم يصرخون "حيدر حيدر" فقتلوا عدداً منهم وأحرقوا مركباتهم و دباباتهم وفر الباقون. ولما عادت التعزيزات الإسرائيلية للمدينة، راحوا يبحثون عن "حيدر"، ظناً منهم أنه قائد الإنتفاضة، وخاب ظنهم عندما علموا أن حيدر هو لقب الإمام علي بن أبي طالب، و هو الإسم الذي يثير الشيعة ضد الظلم و الطغيان. و تلا تلك الحادثة عمليات استشهادية متكررة ضد الإسرائيلين و الأمريكان و الفرنسيين حتى أُجبر الإسرائيليون على الإنسحاب من لبنان عام 2000م على أثر الضربات التي تلقوها من المقاومة الإسلامية التي حملت شعار الإمام حسين في كربلاء "هيهات منا الذلة".
إن كبار المؤرخين اللبنانيين، الذين نقلت دوائر التربية اللبنانية عنهم في الكتب المدرسية التي كانت تُدرس في كافة المراحل المدرسية، صوروا لنا تاريخ لبنان على أنه تاريخ الأمراء المعنيين و الشهابيين و الصراع بين المسيحيين و الدروز، كما صوروا لنا جبل لبنان على أنه كل لبنان، متناسين أن حكام جبل عامل بني وائل الصغير، وحكام جبل لبنان آل حمادة، و حكام بعلبك و الهرمل آل حرفوش، حكموا تلك المناطق لعدة قرون. ولم يأتوا على ذكر المآسي التي حلت بشيعة بلاد الشام و خصوصاً لبنان على يد المماليك و العثمانيين و الفرنسيين واليهود الصهاينة، تاريخ مليء بمقاومة الظلم ارتوت صفحاته بدموع الثكالى و دماء أبطالنا الشهداء، من أمثال علماءنا الأوائل، و من الشيخ ناصيف النصار إلى السيد شهيد الأمة في لبنان، مروراً بالمناضل المرجع الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين، وقادة الثورة ضد الفرنسيين أدهم خنجر و صادق حمزة و محمود بزي، و لا ننسى إمام المقاومة المغيب السيد موسى الصدر. كل هذا الظلم الذي تعرض له شيعة لبنان، ناهيك عن تهجيرهم القسري من جبل لبنان و من جزين، لم يستحق ذكره لا في تاريخ لبنان و لا في الإعلام المرئي و المسموع، و لا حتى على شارع يحمل إسم أحدهم في بيروت، بل سميت الشوارع في لبنان بأسماء المحتلين الذين ارتكبوا المجازر بحق أبناء هذا الوطن و اقتطعوا منه 29 قرية جنوبية منحوها لدولة إسرائيل، من أمثال غورو و اللنبي و فوش و غيرهم. بل على العكس تماماً، فهم إذا ذكروا المناضلين الشيعة ضد الإحتلال الفرنسي لجبل عامل، وصفوهم بقطاع طرق. أما اليوم فهم يتحاملون على المقاومة ضد إسرائيل فيصفونها بالإرهاب.
الحقيقة المؤلمة هي أنه بينما يواجه الشيعة إجرام الصهاينة، ترى بعض شركاؤنا في الوطن منشغلون بالسهر و الحفلات، و مشاهدة المسلسلات غير آبهين بما يحدث في الجنوب. فرداً على الأبواق الإعلامية التي تهاجم الشيعة و تشمت بما يحصل لهم اليوم، و خاصة أقطاب اليمين المتحالف علناً مع الصهاينة، أذكرهم بنصيحة الراحل الكبير الرئيس فؤاد شهاب حين قال انه يجب على المسيحيين أن يسعوا للانسجام مع الأكثرية (المسلمة) المحيطة بهم، لذلك عليهم أن: "يدوزنوا خياراتهم و يختاروا ممثليهم و نوابهم و يحددوا أهدافهم على ضوء هذه الحقيقة و بشيء من الحكمة و الواقعية و التروي. و هم في الحقيقة قلما فعلوا و يفعلون ذلك، إذ تصرفوا و لا يزالون بانفعالية استعلائية و غرائزية و طائفية، أو تبعاً لمصالحهم الشخصية و الفردية الضيقة." (منقول عن العميد نقولا ناصيف، المرافق الخاص للرئيس فؤاد شهاب، في كتابه جمهورية فؤاد شهاب، دار النهار للنشر، عام 2008، صفحة 297)
يقف لبنان اليوم، و الشيعة بالذات، أمام مفترق طريق يؤدي إلى إحدى خيارين: الخضوع التام لإسرائيل و الدخول في الإتفاقات الإبراهيمية مع الأعراب المستسلمين، فتلك الإتفاقية تحقق حلم الدولة اليهودية بوطن يمتد من الفرات إلى النيل، يكون العرب فيه ليس كمواطنين بل كخدم لليهود، أي "غوييم" حسب تعاليم التلمود. أو المواجهة ليس فقط ضد المحور الصهيو-أمريكي بهدف إحباط مشروعه للهيمنة على المنطقة، بل أيضاً مع أنظمة عربية خضعت لسلطة أمريكا و إسرائيل و أصبحت خنجراً في خاصرة المقاومة.
لكن المهمة الأصعب أمام محور المقاومة هي إيقاظ الشعوب العربية و الإسلامية النائمة و المخدرة بأفكار التكفير و إلغاء المسلم الآخر و نشر ثقافة القتل و الأعمال الإجرامية التي شوهت صورة الإسلام عالمياً. تلك الشعوب التي نخر عظامها الجهل و اللامبالاة فصرفت نظرها عما يحدث في غزة و لبنان، و تلّهت بإشباع بطونها و رغباتها الجنسية و بالمسلسلات الفضائية و لعب الكرة و غيرها من الأمور التي أعمت بصائرها، و أطرقت سماعها عن نداء الجياع و العطاشى في غزة و بكاء الأمهات الثكالى في غزة و جنوب لبنان. يا لها من أمة ضحكت من جهلها الأمم!!!
60 مشاهدة
06 مارس, 2026
25 مشاهدة
06 مارس, 2026
123 مشاهدة
06 مارس, 2026