د. علي ضاهر
ترامب ليس عاصفة بسيطة. انه إعصار على قدمين. يوزّع الضربات للأعراف كما يوزّع التغريدات، بعد حلول الظلام. لا يتعب نفسه بارتداء قناع. يقول الاشياء كما هي: اريد كوبا وفنزويلا وغرينلاند وكندا وغزة وجنوب لبنان وإن استطاع أن يمدّ يده إلى إيران روسيا، فلِمَ لا. يتعامل مع الكوكب كسمسار عقارات: مشاريع سكنية وبيوت وشقق تنتظر الشاري! وقف أمام العالم بكل بساطة وصرّح: أريد نفط فنزويلا ومعادن غرينلاند وغزة لبناء منتجعات. صراحته الفجّة لا تكشف جديدًا، بل تفضح ما كان الغرب يفعله منذ قرون، لكن مع رشة بودرة ومسحة كحل وخط أحمر للشفاه تحت اسم "التنوير" و"التحضير" و"حقوق الإنسان".
هايتي هي المثال الاوضح في هذا المجال. عوقبت فقط لأنها تجرّأت على أن تكون أول جمهورية سوداء مستقلة. فكبلها الغرب بالديون والعقوبات وعمليات إنقاذ لا تؤدي الا الى الخراب. لكن هايتي، في هذا المصير ليست طائرًا غرد خارج السرب. لكن لنتركها الى مكان اخر في هذه المقالة. فكثرٌ هم الذين ذاقوا الطعم نفسه. يكفي في هذه العجالة أن نتذكر كيف أعلن الغرب بكل وقاحة أنه اكتشف أمريكا، كما يكتشف اللص خزنة الجار، وكأنها كانت مطمورة او مغمورة او تائهة تنتظر من يدلّها على الطريق. والحقيقة أن الغرب لم يكتشف سوى جشعه وشهوته للدماء، فشن حملة إبادة على سكانها الأصليين، ثم مدّ أنيابه إلى الذهب والموارد الاخرى، فامتص الخيرات كما يمتصّ دراكولا آخر قطرة دم ضحيته، وكل ذلك تحت لافتة براقة اسمها الحضارة.
الصين لها قصة أخرى، لا ضير في المرور عليها، لخصوصيتها. بكبرها وعديد سكانها، أُجبرها الغرب على فتح أسواقها لتجارة الأفيون، لا بدافع التبادل الثقافي ولا حبًّا ب"بالتكييف والتسطيل" وطبع ليس بالتنوير والتحضير، بل لإغراقها بمخدّر أنعش خزائن لندن، لكنه أمات المجتمع الصيني، فكانت النتيجة: إدمان جماعي وتنازلات سيادية، أبرزها هونغ كونغ.
الهند هي الأخرى كانت مثالًا اخرا على عبثية الغرب. لم تكن بحاجة إلى دروس في الحياكة، لكن الغرب فرض عليها اذنا كي تخيط قمصانها! أجبرها على شراء ثياب مصنَّعة في بريطانيا من مواد خام هندية، بينما منع شعبها من نسج ثيابه بنفسه. بريطانيا، المسماة العظمى، أظهرت عظمتها بنهب القطن والمواد الأولية الأخرى من حقول الهند، ثم باعته لها قمصانًا، وكأنها تقول لشعب بأكمله: أنتم لا تصلحون حتى لستر أجسادكم إلا بخيوطنا. فقمصانكم محاكة بأنامل شعبنا الماهرة التي حولت قطنكم الى "ذهب" لا يمكن لكم محاكاته حتى ولو "نبت على رؤوسكم ريش". والهنود في ذاك الوقت كاموا ينظرون الى محاصيلهم التي تُنهب أمام أعينهم في وضح النهار، حتى جاء غاندي ليثور على الوضع، داعيًا الهنود إلى نسج ثيابهم بأيديهم، في عصيان جعل الإمبراطورية تبدو كتاجر أخرق يبيع "المية في حي الساقيين" او يبيع الضحية قميصًا من قماشه المسلوب.
من الصين إلى الهند، تتكرر القصة نفسها: غرب "متحضّر" يشفط الخيرات، ويجفف شرايين البلاد، ويفقرها مموِّهاً ذلك برايات التنوير وشعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان! لكن قصة هايتي تبقى الأوضح والأجدر بأن تُدرّس في الكتب المدرسية. فهي درسٌ نموذجي في معنى "الحرية" على طريقة "الأنوار" الفرنسية، والبلطجة على طريقة الكاو بوي الأمريكي. عام 1804، تمرد عبيد هايتي على مالكيهم الغربيين، فطردوهم وأعلنوها جزيرة حرّة. لكن فرنسا، بلد "الانوار" لم تترك الجزيرة بحالها. استمرّت في تحين الفرص الى ان تسنّى لها ذلك عام 1825، فعادت وأخضعت الجزيرة، قائلة لأهلها: إمّا أن تدفعوا تعويضًا لمالكيكم السابقين، أو ندمّركم. هكذا وُلد ما سُمّي بـ"دَين الاستقلال"، فاتورة تُقتطع من أفقر دولة لتُشحَن إلى باريس. بلغت قيمة الجزية التي فرضتها فرنسا على هايتي 150 مليون فرنك ذهبي، ثم خُفِّضت إلى 90 مليونًا، لا رحمةً بالشعب بل مراعاةً لقدرة الدفع. ولأن هايتي لم تكن تملك المال لتدفعه، أُجبرت على الاستدانة من المصارف الفرنسية حصرا، بفوائد عالية، لدفع الأقساط. لذا وبعد ان تمّ سداد أصل الدَين، حيث خُصِّص له أكثر من 70% من ميزانية الدولة سنويا واستمر لعدة اعوام، بقيت الفوائد تنهش هايتي حتى منتصف القرن العشرين، فيما عاش الشعب على تقشّف دائم، ما زال يعاني منه حتى يومنا هذا. وكأن كل هذا لم يكن كافيًا. لمّا فرغت فرنسا من مصّ دم هايتي، سلّمتها إلى شريكٍ أكثر شراهة ودموية: الولايات المتحدة. عام 1915، دخلت قوات المارينز، لا لتساعد أهلها، بل لتضع يدها على الخزنة. نُقل ذهب البنك الوطني إلى نيويورك "حمايةً له"، وكأن أفضل وسيلة لحماية المال هي إبعاده عن أصحابه!!! ألا يذكّر هذا بنفط العراق؟ البلد الذي دخل إليه الغرب بحجج كاذبة، وللأسف، بمساعدة من أشقّاء، فقُسّم، وصودرت خيراتُه، وأُجبر على بيع نفطه. لكن العائدات لا تعود إليه مباشرة، بل تمرّ عبر متاهة من البنوك والقوانين والحمايات الأميركية، حيث تُفلتر النفقات، وتُراقَب التحويلات، وتُجمَّد الأموال متى اقتضت "المصلحة الدولية"، مصلحة دولية تتماهى، على نحوٍ مدهش، مع مصلحة واشنطن.
في الحالة العراقية، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى أن تضع المال في جيبها، كما فعلت قديمًا مع هايتي؛ يكفي أن تُبقي جيب العراق تحت يدها مفتوحًا. والنتيجة واحدة: نفط عراقي، مال عراقي، إنفاق عراقي، لكن السيادة على المال ليست عراقية. أو كما لخّصها أبو تحسين البغدادي في المقهى لصديقه أبي مصطفى البصراوي: "سمعت آخر خبر؟ يقولون السيادة عالفلوس مو عراقية". يرد أبو مصطفى: "إي والله، إحنا بس نعدّها ونشوفها تطير، مثل طير الزرزور، تروح للغير وتخلّينا بلا جناح"! فيعقّب أبو تحسين: "لا، لا يا أبو مصطفى، حتى الدلّال ياخذ عمولته. إحنا حتى العمولة ماكو. بس نسمع كلمة إصلاح اقتصادي ونشربها مثل قهوة مرّة"!
تطوّر الغرب في أساليب مصّ الدماء. في الماضي البعيد كان يغرز أنيابه في الرقاب، بلا اكتراث، ثم ارتدى لاحقًا بدلات أنيقة وتزيّن بخطابات عن القيم. أمّا اليوم، فقد كشر عن أنيابه وتغوّل. لم يعد يحرص حتى على إخفاء بصماته. المصيبة أن بعض أبناء بلاد ما يعرف بالشرق الأوسط ما زالوا يستدعونه بأيديهم، طمعًا في غلبة. يفتحون له الأبواب ثم يتشدّقون بالسيادة والاستقلال، متناسين أن السيادة والاستقلال حين تُسلَّمان لدراكولا تتحولان إلى عقد إذعان يُوقَّع بالدم ويُباع كإنجاز تاريخي، بينما هو في جوهره رخصة رسمية تمنحها الضحية لمن يمصّ دماءها!.
ترامب ليس عاصفة بسيطة. انه إعصار على قدمين. يوزّع الضربات للأعراف كما يوزّع التغريدات، بعد حلول الظلام. لا يتعب نفسه بارتداء قناع. يقول الاشياء كما هي: اريد كوبا وفنزويلا وغرينلاند وكندا وغزة وجنوب لبنان وإن استطاع أن يمدّ يده إلى إيران روسيا، فلِمَ لا. يتعامل مع الكوكب كسمسار عقارات: مشاريع سكنية وبيوت وشقق تنتظر الشاري! وقف أمام العالم بكل بساطة وصرّح: أريد نفط فنزويلا ومعادن غرينلاند وغزة لبناء منتجعات. صراحته الفجّة لا تكشف جديدًا، بل تفضح ما كان الغرب يفعله منذ قرون، لكن مع رشة بودرة ومسحة كحل وخط أحمر للشفاه تحت اسم "التنوير" و"التحضير" و"حقوق الإنسان".
هايتي هي المثال الاوضح في هذا المجال. عوقبت فقط لأنها تجرّأت على أن تكون أول جمهورية سوداء مستقلة. فكبلها الغرب بالديون والعقوبات وعمليات إنقاذ لا تؤدي الا الى الخراب. لكن هايتي، في هذا المصير ليست طائرًا غرد خارج السرب. لكن لنتركها الى مكان اخر في هذه المقالة. فكثرٌ هم الذين ذاقوا الطعم نفسه. يكفي في هذه العجالة أن نتذكر كيف أعلن الغرب بكل وقاحة أنه اكتشف أمريكا، كما يكتشف اللص خزنة الجار، وكأنها كانت مطمورة او مغمورة او تائهة تنتظر من يدلّها على الطريق. والحقيقة أن الغرب لم يكتشف سوى جشعه وشهوته للدماء، فشن حملة إبادة على سكانها الأصليين، ثم مدّ أنيابه إلى الذهب والموارد الاخرى، فامتص الخيرات كما يمتصّ دراكولا آخر قطرة دم ضحيته، وكل ذلك تحت لافتة براقة اسمها الحضارة.
الصين لها قصة أخرى، لا ضير في المرور عليها، لخصوصيتها. بكبرها وعديد سكانها، أُجبرها الغرب على فتح أسواقها لتجارة الأفيون، لا بدافع التبادل الثقافي ولا حبًّا ب"بالتكييف والتسطيل" وطبع ليس بالتنوير والتحضير، بل لإغراقها بمخدّر أنعش خزائن لندن، لكنه أمات المجتمع الصيني، فكانت النتيجة: إدمان جماعي وتنازلات سيادية، أبرزها هونغ كونغ.
الهند هي الأخرى كانت مثالًا اخرا على عبثية الغرب. لم تكن بحاجة إلى دروس في الحياكة، لكن الغرب فرض عليها اذنا كي تخيط قمصانها! أجبرها على شراء ثياب مصنَّعة في بريطانيا من مواد خام هندية، بينما منع شعبها من نسج ثيابه بنفسه. بريطانيا، المسماة العظمى، أظهرت عظمتها بنهب القطن والمواد الأولية الأخرى من حقول الهند، ثم باعته لها قمصانًا، وكأنها تقول لشعب بأكمله: أنتم لا تصلحون حتى لستر أجسادكم إلا بخيوطنا. فقمصانكم محاكة بأنامل شعبنا الماهرة التي حولت قطنكم الى "ذهب" لا يمكن لكم محاكاته حتى ولو "نبت على رؤوسكم ريش". والهنود في ذاك الوقت كاموا ينظرون الى محاصيلهم التي تُنهب أمام أعينهم في وضح النهار، حتى جاء غاندي ليثور على الوضع، داعيًا الهنود إلى نسج ثيابهم بأيديهم، في عصيان جعل الإمبراطورية تبدو كتاجر أخرق يبيع "المية في حي الساقيين" او يبيع الضحية قميصًا من قماشه المسلوب.
من الصين إلى الهند، تتكرر القصة نفسها: غرب "متحضّر" يشفط الخيرات، ويجفف شرايين البلاد، ويفقرها مموِّهاً ذلك برايات التنوير وشعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان! لكن قصة هايتي تبقى الأوضح والأجدر بأن تُدرّس في الكتب المدرسية. فهي درسٌ نموذجي في معنى "الحرية" على طريقة "الأنوار" الفرنسية، والبلطجة على طريقة الكاو بوي الأمريكي. عام 1804، تمرد عبيد هايتي على مالكيهم الغربيين، فطردوهم وأعلنوها جزيرة حرّة. لكن فرنسا، بلد "الانوار" لم تترك الجزيرة بحالها. استمرّت في تحين الفرص الى ان تسنّى لها ذلك عام 1825، فعادت وأخضعت الجزيرة، قائلة لأهلها: إمّا أن تدفعوا تعويضًا لمالكيكم السابقين، أو ندمّركم. هكذا وُلد ما سُمّي بـ"دَين الاستقلال"، فاتورة تُقتطع من أفقر دولة لتُشحَن إلى باريس. بلغت قيمة الجزية التي فرضتها فرنسا على هايتي 150 مليون فرنك ذهبي، ثم خُفِّضت إلى 90 مليونًا، لا رحمةً بالشعب بل مراعاةً لقدرة الدفع. ولأن هايتي لم تكن تملك المال لتدفعه، أُجبرت على الاستدانة من المصارف الفرنسية حصرا، بفوائد عالية، لدفع الأقساط. لذا وبعد ان تمّ سداد أصل الدَين، حيث خُصِّص له أكثر من 70% من ميزانية الدولة سنويا واستمر لعدة اعوام، بقيت الفوائد تنهش هايتي حتى منتصف القرن العشرين، فيما عاش الشعب على تقشّف دائم، ما زال يعاني منه حتى يومنا هذا. وكأن كل هذا لم يكن كافيًا. لمّا فرغت فرنسا من مصّ دم هايتي، سلّمتها إلى شريكٍ أكثر شراهة ودموية: الولايات المتحدة. عام 1915، دخلت قوات المارينز، لا لتساعد أهلها، بل لتضع يدها على الخزنة. نُقل ذهب البنك الوطني إلى نيويورك "حمايةً له"، وكأن أفضل وسيلة لحماية المال هي إبعاده عن أصحابه!!! ألا يذكّر هذا بنفط العراق؟ البلد الذي دخل إليه الغرب بحجج كاذبة، وللأسف، بمساعدة من أشقّاء، فقُسّم، وصودرت خيراتُه، وأُجبر على بيع نفطه. لكن العائدات لا تعود إليه مباشرة، بل تمرّ عبر متاهة من البنوك والقوانين والحمايات الأميركية، حيث تُفلتر النفقات، وتُراقَب التحويلات، وتُجمَّد الأموال متى اقتضت "المصلحة الدولية"، مصلحة دولية تتماهى، على نحوٍ مدهش، مع مصلحة واشنطن.
في الحالة العراقية، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى أن تضع المال في جيبها، كما فعلت قديمًا مع هايتي؛ يكفي أن تُبقي جيب العراق تحت يدها مفتوحًا. والنتيجة واحدة: نفط عراقي، مال عراقي، إنفاق عراقي، لكن السيادة على المال ليست عراقية. أو كما لخّصها أبو تحسين البغدادي في المقهى لصديقه أبي مصطفى البصراوي: "سمعت آخر خبر؟ يقولون السيادة عالفلوس مو عراقية". يرد أبو مصطفى: "إي والله، إحنا بس نعدّها ونشوفها تطير، مثل طير الزرزور، تروح للغير وتخلّينا بلا جناح"! فيعقّب أبو تحسين: "لا، لا يا أبو مصطفى، حتى الدلّال ياخذ عمولته. إحنا حتى العمولة ماكو. بس نسمع كلمة إصلاح اقتصادي ونشربها مثل قهوة مرّة"!
تطوّر الغرب في أساليب مصّ الدماء. في الماضي البعيد كان يغرز أنيابه في الرقاب، بلا اكتراث، ثم ارتدى لاحقًا بدلات أنيقة وتزيّن بخطابات عن القيم. أمّا اليوم، فقد كشر عن أنيابه وتغوّل. لم يعد يحرص حتى على إخفاء بصماته. المصيبة أن بعض أبناء بلاد ما يعرف بالشرق الأوسط ما زالوا يستدعونه بأيديهم، طمعًا في غلبة. يفتحون له الأبواب ثم يتشدّقون بالسيادة والاستقلال، متناسين أن السيادة والاستقلال حين تُسلَّمان لدراكولا تتحولان إلى عقد إذعان يُوقَّع بالدم ويُباع كإنجاز تاريخي، بينما هو في جوهره رخصة رسمية تمنحها الضحية لمن يمصّ دماءها!.
61 مشاهدة
03 فبراير, 2026
122 مشاهدة
02 فبراير, 2026
106 مشاهدة
30 يناير, 2026