د. علي ضاهر
لا أدري إن كانت قصة داوود وجالوت قد كتبت أصلا لتخبرنا بتفاصيل الحرب الدائرة اليوم بين "الحوثي"، الذي يصر كارهوه على تسميته بهذا الاسم استصغارا لشأنه، والمملكة العربية السعودية، أو "مملكة الخير"، كما يحلو للمرتزقة وحملة المباخر تسميتها تمسيحا للجوخ. فالمملكة الغنية التي تتنافس دول الأرض على خطب ودّها والتقرب منها، لدرجة أنه لم يبق "ضريب طبل" في عالمنا إلا هب راكضا ليستجلب عطفها ونيل محبتها، ولا سيما أننا نعيش في زمن يقوده رنين الذهب، وتعمي بصيرته لمعة الدولار، وتجره من خياشيمه رائحة النفط والقطران، على بشاعتها ونتانتها!
لكنني أعلم أن المملكة تقف اليوم في موقع "جالوت" هذا العصر. خزائنها تفيض بالثروات، واقتصادها يُقاس بالتريليونات، وترسانتها مدجّجة بأحدث طائرات مصانع السلاح في كبريات عواصم السخاء الغربي، الذي لا يفرج عن سخائه إلا بعقود تفتح أبوابا واسعة أمام السماسرة. أعلنت الرياض الحرب على اليمن واثقة من قدرتها على حسمها عسكرياً في وقت قياسي، مستندة إلى تفوّق مادي هائل، وإلى تحالفات تُشترى بالمال، تتيح لها استجلاب الجيوش والحلفاء وتسخير إمكانات تكنولوجية تتجاوز، بأضعاف، ما كان يمتلكه جالوت في الحكاية القديمة. فماذا ينقص من يملك كل هذا المال والسلاح ليحسم معركة؟
وعلى الضفة الأخرى من الوادي الوعر، يقف "داوود" العصر، أي الحوثي، وسط فقر مدقع وشعب منهك وحصار خانق. لا يملك جيوشا مدججة، ولا دبابات مطلية بالذهب، وليس في يده مقلاع على طريقة داوود. لكنه يملك ما امتلكه داوود في الحكاية. يملك إيمانا بقدرته على مواجهة خصم يفوقه قوة وعتادا، وإرادة تجعله قادرا على إيلامه وإجباره على احتساب كلفة المواجهة. وهنا، بدلاً من المقلاع الجلدي القديم، ظهر المقلاع الرقمي، عبارة عن طائرات مسيّرة أقل كلفة بكثير من منظومات الدفاع التي تُستدعى لاعتراضها! فوجد الطرف المعتدي، الذي ينفق الملايين على اعتراض سلاح رخيص، نفسه أمام فاتورة تتجاوز ثمن الهجوم بأضعاف، مما يعني أنّ التفوّق في المال والسلاح لا يضمن وحده التفوق في الميدان، كما أن شراء أحدث الأسلحة وذمم الدول لا يعني بالضرورة شراء النصر. لذا وجد "جالوت" هذا العصر نفسه مضطراً إلى مراجعة حساباته والبحث عن مخارج سياسية، بعدما تبيّن له أن دروعه المليارية غير فاعلة.
في هذا السياق، تبلورت الفكرة الأكثر عبقرية في تاريخ الاستراتيجيات العسكرية المعاصرة. تم تفويض جنرال الترفيه والمواسم السعودي، الذي يقود "الهيئة العامة للترفيه"، بإدارة المعركة. قرر استدعاء فيلق من أصحابه المطربين والمطربات الذين صُرفت عليهم الميزانيات الضخمة، مركزا على غلبة الكتائب النسائية المتخصصة في هزّ الخصور وإشعال الشاشات بأناشيد الولاء. تم حشد كل هؤلاء لإقامة "مهرجان الرياض العسكري الراقص" المخصص لسحق "الحوثي". لعلّ ما عجزت عنه أساطيل الطائرات النفاثة ومنظومات الباتريوت المكلفة، تحققه فجأة رنة عود أو ضربة دف على مقام "الردع والمقاومة"، و"هزي يا نواعم خصرك الحرير"! عندها، وبدلا من استعراضات غرف العمليات المملة، سيخرج قائد الترفيه الملهم، مزهواً ببدلته اللامعة، صارخاً كأرخميدس لحظة اكتشافه العظيم: «يوريكا! يوريكا! وجدتها! ما حاجتنا إلى الجيوش ما دام اللحن مضبوطا والمطربون منتقين بعناية"! ولن يكون مستغربا حينها أن نرى المقاتلات الحربية تنسحب بدلال وغندرة من الأجواء، لتخلي الساحة لسرايا الهز والتمايل وهي تقصف الأعداء بنوتات موسيقية، بينما يقف جنرال "الهيئة العامة للترفيه"، بغترته المزينة بأسماء المطربات، على منصة المسرح ملوحاً بميكروفونه الذهبي المرصع، ليعلن ولادة عقيدة عسكرية جديدة، مفادها أنّ النصر المؤزر لا يُصنع بالخطط والاستخبارات، إنما تصنعه هندسة الصوت وضبط الإيقاع وغنج المطربات وضجيج الميكروفونات الذي يصمّ آذان العدو!
فإذا كان داوود قد هزم جالوت قديما بحجر، وهزمه داوود العصر بمسيّرة، فربما آن الأوان لتجربة سلاح الطرب. فمن يدري؟ لعل الأغنية التي تعجز عن ردع "الحوثي" تنجح في إقناع العالم بأن المليارات التي عجزت عن شراء النصر قد اشترت، على الأقل، حق التغني بالانتصار عبر المحطات التابعة لها!
57 مشاهدة
30 أكتوبر, 2026
30 مشاهدة
30 أكتوبر, 2026
97 مشاهدة
30 أكتوبر, 2026