د. علي ضاهر
من يتابع تصرّفات بعض النرجسيين المؤثرين في عالمنا، يلاحظ أنهم لا يعتمدون في قراراتهم إلا على ذواتهم: ضميرهم، أخلاقهم، عقلهم، مشاعرهم، حدسهم، ذاكرتهم، وتجربتهم. وعندما يريد أحدهم اتخاذ قرار، لا يستشير أحدًا. لا ينظر إلى من حوله، ولا إلى من فوقه، فلا أحد فوقه أصلًا، ولا إلى من تحته، فالجميع تحته. أما الظروف والوقائع، فهذه تفاصيل ثانوية، شديدة التفاهة، لا تساوي شروة نقير. فالنرجسي لا يرى إلا نفسه، نفسه فقط، التي يخاطبها بقوله: "أنا وبس والباقي خس". وهذا ما يُدخل من يحاول فهمه في حالة دائمة من "الحيص البيص".
ولأن الخيال أحيانًا يمكنه شرح ما تعجز عنه الوقائع، تذكّرت فيلم "أن تكون جون مالكوفيتش". فيلم خيالي يروي قصة نفق يقود إلى داخل عقل رجل آخر. من يشاهده اليوم قد يظنه مجرد لعبة سينمائية، لكنني وجدت فيه استعارة مناسبة لفهم بعض الشخصيات النرجسية. فتخيّلت، على طريقته، نفقًا جديدًا، لا يقود إلى عقل ممثل، بل إلى عقل رجل يعتمد حصرًا على: ذاتيته المطلقة. لا مستشارين. لا تردّد. لا شك. فقط قناعة داخلية، تكفي، برأيه، لإدارة كل الأشياء، من أصغرها الى أكبرها.
وهذا وصف للرحلة في النفق. ما إن تدخله حتى تجد نفسك في غرفة تجمع العقل والذاكرة في مساحة واحدة. غرفة ليست للتفكير بقدر ما هي مستودع غرور. زاوية الذاكرة أشبه بمخزن مزاد علني: رفوف مليئة بذكريات منتقاة بعناية، موضوعة في صناديق تحمل عناوين لافتة:"أنهيتُ 8 حروب"، "صور الجميلات"، وغيرها من إنجازات وهمية يراها وحده! الذاكرة هنا ليست سجلًا للتاريخ، بل ألبومًا شخصيًا لانتصارات، اكثرها متخيلة! أما زاوية العقل، فهناك صندوق كبير مكتوب عليه: "الصفقات". تفتحه، فتجد العالم مصنّفًا كما تُصنَّف العقارات: هذه مربحة، تلك خاسرة، هذه قابلة للاستحواذ، إذا تم تخفيض السعر! العقل هنا يشبه عقل سمسار عقارات يظن أن الجغرافيا قطعة أرض، وأن السياسة عقد بيع وشراء. في عقله المعادلة بسيطة: حصتي وماذا أكسب أنا؟
تنتقل إلى غرفة "الضمير والأخلاق". غرفة شبه فارغة. لا ضمير يوبّخ، ولا أخلاق تردع، بل مرآة كبيرة، وصور له في كل المراحل. في زاوية، صندوق صغير مكتوب عليه: الشعور. هنا تُصفّى القرارات. إذا شعر أن الفعل صائب، بمعاييره الخاصة طبعًا، فلا قانون دولي قادر على إيقافه. ثم تنتبه الى جود صندوق اخر اسمه: الحدس. هنا تختفي الخرائط والتقارير، وتحلّ محلها إشارات داخلية غامضة وإحساس في العظام يقول له: الآن. فحدسه، ليس أداة مساعدة، بل الجنرال الأعلى رتبة الذي يأمره، فتُتخذ القرارات بناءً على ما تقوله العظام، لا ما تقوله الأقمار الصناعية.
تتابع السير، فتدخل غرفة "إعادة الصياغة". هنا يعاد تعريف كل شيء. القانون الدولي يدخل بنصوصه، ويخرج بنسخة معدّلة، تناسب المصلحة. الكلمات تبقى كما هي، لكن معانيها تتحرك، كحركة الأسعار في سوق العقارات.
وفي نهاية النفق، تصل إلى المحرّك الأساسي، الى غرفة: غريزة التملك. هنا يظهر العالم كما يراه: ليس دولًا، ولا شعوبًا، بل لوحة صفقات، النفط فرصة، الأرض عقار، والقرار، استثمار، كل شيء قابل للشراء، وما لا يُشترى، يُعاد تقييمه. اتخاذ القرار يحدث عندما يشعر بأن هناك مكسبًا ملموسًا يمكن إضافته إلى قائمة إنجازاته. إنه دافع نفسي، حاجة داخلية للتفوق، للضم، للقول: "هذا أصبح لي"!
وتخرج من النفق، فتكتشف أن كل تلك الغرف لم تكن سوى أعضاء لشخص واحد، تعمل بتناغم غريب لخدمة ذات واحدة. ذات ترى العالم صفقة، والقانون اقتراحًا، والحدس دليلًا، والذاكرة ألبوم إنجازات، والضمير مرآة لا تعكس إلا ما يرضيه. تخرج، لكن يبقى شيء عالق فيك: طريقته في التفكير، ثقته التي لا تهتز، قدرته على تحويل كل شيء، كل شيء، إلى صفقة. فمن هو؟
هنا يمكن استدعاء هيغل، لا كفيلسوف، بل كمساعد لفهم الوضع. فالذات المطلقة عنده هي تلك التي ترى العالم امتدادًا لوعيها، وتتعامل مع الواقع بوصفه مادة تتشكل وفق مزاجها. ذات لا تنتظر العالم ليخبرها بما هو، بل تخبره هي بما يجب أن يكون. فهل أنقذنا هيغل، أم أضاف طبقة جديدة من التعقيد؟ ومع ذلك، ما رأيته في النفق ليس بعيدًا عن تصوره، لكنه نسخة شعبوية منه: نسخة بلا ديالكتيك، بلا تاريخ، بلا روح عالم. نسخة تعمل بالحدس بدل العقل، وتتصالح فقط مع نفسها، وتفترض أن العالم سيتكيّف لاحقًا.
بعد هذه الجولة داخل النفق، وبعد كل تلك الغرف التي لا تخدم إلا "الأنا"، هل عرفت من هو هذا النرجسي؟
من يتابع تصرّفات بعض النرجسيين المؤثرين في عالمنا، يلاحظ أنهم لا يعتمدون في قراراتهم إلا على ذواتهم: ضميرهم، أخلاقهم، عقلهم، مشاعرهم، حدسهم، ذاكرتهم، وتجربتهم. وعندما يريد أحدهم اتخاذ قرار، لا يستشير أحدًا. لا ينظر إلى من حوله، ولا إلى من فوقه، فلا أحد فوقه أصلًا، ولا إلى من تحته، فالجميع تحته. أما الظروف والوقائع، فهذه تفاصيل ثانوية، شديدة التفاهة، لا تساوي شروة نقير. فالنرجسي لا يرى إلا نفسه، نفسه فقط، التي يخاطبها بقوله: "أنا وبس والباقي خس". وهذا ما يُدخل من يحاول فهمه في حالة دائمة من "الحيص البيص".
ولأن الخيال أحيانًا يمكنه شرح ما تعجز عنه الوقائع، تذكّرت فيلم "أن تكون جون مالكوفيتش". فيلم خيالي يروي قصة نفق يقود إلى داخل عقل رجل آخر. من يشاهده اليوم قد يظنه مجرد لعبة سينمائية، لكنني وجدت فيه استعارة مناسبة لفهم بعض الشخصيات النرجسية. فتخيّلت، على طريقته، نفقًا جديدًا، لا يقود إلى عقل ممثل، بل إلى عقل رجل يعتمد حصرًا على: ذاتيته المطلقة. لا مستشارين. لا تردّد. لا شك. فقط قناعة داخلية، تكفي، برأيه، لإدارة كل الأشياء، من أصغرها الى أكبرها.
وهذا وصف للرحلة في النفق. ما إن تدخله حتى تجد نفسك في غرفة تجمع العقل والذاكرة في مساحة واحدة. غرفة ليست للتفكير بقدر ما هي مستودع غرور. زاوية الذاكرة أشبه بمخزن مزاد علني: رفوف مليئة بذكريات منتقاة بعناية، موضوعة في صناديق تحمل عناوين لافتة:"أنهيتُ 8 حروب"، "صور الجميلات"، وغيرها من إنجازات وهمية يراها وحده! الذاكرة هنا ليست سجلًا للتاريخ، بل ألبومًا شخصيًا لانتصارات، اكثرها متخيلة! أما زاوية العقل، فهناك صندوق كبير مكتوب عليه: "الصفقات". تفتحه، فتجد العالم مصنّفًا كما تُصنَّف العقارات: هذه مربحة، تلك خاسرة، هذه قابلة للاستحواذ، إذا تم تخفيض السعر! العقل هنا يشبه عقل سمسار عقارات يظن أن الجغرافيا قطعة أرض، وأن السياسة عقد بيع وشراء. في عقله المعادلة بسيطة: حصتي وماذا أكسب أنا؟
تنتقل إلى غرفة "الضمير والأخلاق". غرفة شبه فارغة. لا ضمير يوبّخ، ولا أخلاق تردع، بل مرآة كبيرة، وصور له في كل المراحل. في زاوية، صندوق صغير مكتوب عليه: الشعور. هنا تُصفّى القرارات. إذا شعر أن الفعل صائب، بمعاييره الخاصة طبعًا، فلا قانون دولي قادر على إيقافه. ثم تنتبه الى جود صندوق اخر اسمه: الحدس. هنا تختفي الخرائط والتقارير، وتحلّ محلها إشارات داخلية غامضة وإحساس في العظام يقول له: الآن. فحدسه، ليس أداة مساعدة، بل الجنرال الأعلى رتبة الذي يأمره، فتُتخذ القرارات بناءً على ما تقوله العظام، لا ما تقوله الأقمار الصناعية.
تتابع السير، فتدخل غرفة "إعادة الصياغة". هنا يعاد تعريف كل شيء. القانون الدولي يدخل بنصوصه، ويخرج بنسخة معدّلة، تناسب المصلحة. الكلمات تبقى كما هي، لكن معانيها تتحرك، كحركة الأسعار في سوق العقارات.
وفي نهاية النفق، تصل إلى المحرّك الأساسي، الى غرفة: غريزة التملك. هنا يظهر العالم كما يراه: ليس دولًا، ولا شعوبًا، بل لوحة صفقات، النفط فرصة، الأرض عقار، والقرار، استثمار، كل شيء قابل للشراء، وما لا يُشترى، يُعاد تقييمه. اتخاذ القرار يحدث عندما يشعر بأن هناك مكسبًا ملموسًا يمكن إضافته إلى قائمة إنجازاته. إنه دافع نفسي، حاجة داخلية للتفوق، للضم، للقول: "هذا أصبح لي"!
وتخرج من النفق، فتكتشف أن كل تلك الغرف لم تكن سوى أعضاء لشخص واحد، تعمل بتناغم غريب لخدمة ذات واحدة. ذات ترى العالم صفقة، والقانون اقتراحًا، والحدس دليلًا، والذاكرة ألبوم إنجازات، والضمير مرآة لا تعكس إلا ما يرضيه. تخرج، لكن يبقى شيء عالق فيك: طريقته في التفكير، ثقته التي لا تهتز، قدرته على تحويل كل شيء، كل شيء، إلى صفقة. فمن هو؟
هنا يمكن استدعاء هيغل، لا كفيلسوف، بل كمساعد لفهم الوضع. فالذات المطلقة عنده هي تلك التي ترى العالم امتدادًا لوعيها، وتتعامل مع الواقع بوصفه مادة تتشكل وفق مزاجها. ذات لا تنتظر العالم ليخبرها بما هو، بل تخبره هي بما يجب أن يكون. فهل أنقذنا هيغل، أم أضاف طبقة جديدة من التعقيد؟ ومع ذلك، ما رأيته في النفق ليس بعيدًا عن تصوره، لكنه نسخة شعبوية منه: نسخة بلا ديالكتيك، بلا تاريخ، بلا روح عالم. نسخة تعمل بالحدس بدل العقل، وتتصالح فقط مع نفسها، وتفترض أن العالم سيتكيّف لاحقًا.
بعد هذه الجولة داخل النفق، وبعد كل تلك الغرف التي لا تخدم إلا "الأنا"، هل عرفت من هو هذا النرجسي؟
129 مشاهدة
24 مارس, 2026
199 مشاهدة
22 مارس, 2026
101 مشاهدة
22 مارس, 2026