د. علي ضاهر - مونتريال
"القصة مش قصة رمانة، القصة قصة قلوب مليانة" يقال عادةً عندما ينفجر خلاف بين شخصين بسبب تفصيل تافه كـتخطي كلبك سياج جارك، ليتبين لاحقاً أن جريمة الكلب لم تكن إلا القشة التي قصمت ظهر البعير، وأن النفوس تعج بجبال من التراكمات، الضغائن، والقلوب المشحونة التي كانت تنتظر شرارة من الكلب لتولع!
يذكر هذا المثل بالفضيحة العنصرية في مركز الشرطة رقم 39 في مونتريال نور، حيث قام رجال امن بممارسة سلوكيات عنصرية بحق أشخاص سود وعرب أثناء التوقيفات كقصّ ضفائر شعرهم والاحتفاظ بها كغنيمة. اذ بمجرد أن تنفجر فضيحة عنصرية، يزدهر موسم الأعذار! لا أحد يسأل: "ماذا حدث فعلاً؟ الجميع يتسابق إلى سحب الإجابة التبريرية الجاهزة من الثلاجة، قائلين "إنها حالة فردية"! وفي كل مرة يتصرّف فيها شرطي بعنصرية فاقعة، يخرج خبراء التبرير بخطاب مصبوغ بلون الطمأنينة. مرة يقولون إن في كل عائلة "ولداً عاقاً"، ومرة يكتشفون أن في كل بستان "عشبة ضارة"، وأحياناً يلجؤون لأسطوانة "التفاحة الفاسدة" اليتيمة داخل صندوق مليء بالتفاح السليم الطازج والشهي! ثم بعد هذا السيل من التبريرات الزراعية والعائلية، الا يحق للمواطن أن يسأل: ما بال هذه العائلات التي تُنجب هذا الكم من الأولاد العاقين؟ وما قصة هذه البساتين التي لا تنبت إلا أعشاباً ضارة؟ وما نوع هذا الصندوق الذي لا نمدّ يدنا فيه إلا ونصطاد تلك التفاحة الفاسدة اياها؟ هل هو صندوق؟ أم مصنع تفاح فاسد؟
المشكلة هنا أن النقاش يدور دائماً حول العشبة، بينما يرفض الجميع التحديق في التربة. فالعنصرية لا تهبط على رجل الأمن من كوكب المريخ، ولا يتعرّض الشرطي لاختطاف فضائي يعيد برمجته! فقبل أن يرتدي بزته ويحمل شاراته، يكون قد أمضى سنوات يتنفس داخل بيئة إعلامية وسياسية لا تتوقف عن تلقينه بأن هناك آخر مختلفاً، مريباً، ويجب الحذر منه. بيئة يصنعها: إعلام يكرر أن المهاجر أصل الأزمات ومصدر الشرور، ونخب وساسة لا يترددون في تحميل الوافدين مسؤولية كل شيء، من أزمة السكن الى انقراض الديناصورات! ثم، بعد كل هذا الشحن، نتفاجأ عندما يبدأ بعض رجال الأمن بالنظر إلى المواطن العربي أو الملوّن باعتباره مشروع مصيبة متنقلة على قدمين! اما إذا تجرّأ الضحية واشتكى، تبدأ المرحلة الثانية، حيث يُطلب منه، أن يهدأ، أن يتفهّم، ألا يبالغ، وألا يفسّر كل "بهدلة" على أنها عنصرية! وكأن المطلوب من الضحية أن يتعرّض للتمييز بأدب، وأن يتلقى الإهانة بروح رياضية، وربما أن يشكر المسؤولين في نهاية اللقاء، لأنهم سمحوا له الدخول الى هذه البلاد! اما إذا تحوّلت القضية فجأة إلى فضيحة إعلامية "بجلاجل"، كما يقول المصريون، يسارع المسؤولون إلى حقيبة "الإسعافات اللغوية" ليرددوا الكليشيهات ذاتها: "هذه ليست من شيمنا، هذه ليست سياسة المؤسسة، إنها تصرفات فردية معزولة، لا مكان لمثل هذه الأعمال في مجتمعنا الديمقراطي! وكأن هذه التصرفات تتوالد، بقدرة ساحر!
الفضيحة في مركز 39 بمونتريال نور ليست مهمة لأنها كشفت جديداً، بل لأنها بصمت بالعشرة على ما يُقال همساً. فقد أعادت التذكير بأن المشكلة ليست حادثة معزولة، بل نمط متكرر يعرفه السكان. والأغرب أن معظم المتورطين فيها من رجال الأمن الشباب، ممن لم تتجاوز خدمتهم خمس سنوات، ما يكشف أن الخطاب الإقصائي وصناعة الخوف من الآخر قد وجدت طريقها إلى عقول جيل يفترض أنه الأكثر انفتاحاً! اما الأغرب فيتمثل بأن البعض يتصرف وكأن العنصرية محصورة جغرافياً داخل حدود "مونتريال نور"! وأنها تحتاج إلى تأشيرة وجواز سفر لتنتقل إلى الأحياء الأخرى!
لندع التنظير جانباً ونقم بتجربة ميدانية بسيطة: احضر شابين ملامحهما عربية أو سمراء، ودعهما يتمشيان في حي من احياء مونتريال الثرية والهادئة مثل "أوترومون" أو محيط "مونت رويال". في السيناريو المتفائل جداً (النسخة الرومانسية)، سيعترض طريقهما شرطي ليسألهما بلطف شديد وابتسامة عريضة: "هل أضعتم الطريق يا شباب؟ وترجمتها الضمنية: "ما الذي أتى بكما إلى هنا؟" اما في السيناريو الأقل تهذيباً (النسخة الواقعية): سيأتي السؤال بصيغة المستجوب الصارم: "ماذا تفعلان هنا؟" هذه الأسئلة، على صغرها، تفترض مسبقاً أن مجرد وجودهما في هذا الحي الراقي هو بحد ذاته جريمة تحتاج إلى تبرير وتفسير.
في الختام، من المهم ألا نضحك على اللحى. فالقضية ليست قصة رمانة ظهرت فجأة في ميدان الشرطة ولا قصة شرطي ضال. إنها قصة قلوب مُلئت على مدار سنوات بالخوف والشك وسوء الظن بالمختلف. ومع ذلك، يُطلب منا أن نصدق أن ما يفيض من هذه القلوب ليس سوى قطرات عابرة لا تمثل المحيط! خصوصاً أن المؤسسات الرسمية ما زالت ترفض الاعتراف بالعنصرية الممنهجة. ومع كل هذا، لا يمكن تجاهل أن الانتخابات النيابية في كيبيك على الأبواب. وهذه ليست مجرد محطة سياسية عابرة، بل لحظة يجب أن يتعامل معها العرب في المقاطعة بوعي كامل. فالمؤسسات التي تنتج مثل هذه السلوكيات لا تتغيّر بالشجب وحده، بل بمن يشرّع لها، ومن يراقبها، ومن يملك سلطة محاسبتها. لذلك، يصبح من الضروري أن يعرف العرب كيف يختارون ممثليهم، وأن يدركوا أن التصويت ليس زينة ديمقراطية، بل أداة حماية من تكرار مثل هذه الانتهاكات. فالصوت الذي يُهمل اليوم قد يتحوّل غداً إلى صمتٍ قسري أمام عنصرية جديدة!
* الصورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
74 مشاهدة
09 سبتمبر, 2026
73 مشاهدة
07 سبتمبر, 2026
213 مشاهدة
06 سبتمبر, 2026