بقلم وليام خربوطلي، محام، وسيط ومحكم
في النظام الدولي المعاصر، لم تعد الحروب مجرد أحداث عسكرية محلية. فبمجرد اندلاع صراع في منطقة استراتيجية، تبدأ تداعياته بالانتشار عبر الاقتصاد العالمي مثل موجة صدمة تمتد من أسواق الطاقة إلى الأسواق المالية. والشرق الأوسط يمثل المثال الأكثر وضوحاً على هذه الظاهرة.
فكلما تصاعد التوتر في هذه المنطقة، ترتفع المخاوف في العواصم الاقتصادية الكبرى من احتمال حدوث أزمة طاقة عالمية.
السبب بسيط: الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة نزاعات، بل هو أحد الأعمدة الأساسية للنظام الاقتصادي العالمي، حيث يحتوي على جزء كبير من احتياطات النفط والغاز، كما تمر عبر مياهه أهم طرق التجارة والطاقة في العالم.
التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل أعاد هذه الحقيقة إلى الواجهة. فمجرد احتمال توسع المواجهة كفيل بإثارة قلق الأسواق العالمية. فالعالم يعتمد بشكل كبير على تدفق النفط من الخليج، ويعبر جزء كبير من هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. أي تهديد لهذا الممر قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، وهو ما ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي من خلال التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.
وقد أثبت التاريخ أن أسواق الطاقة حساسة للغاية تجاه الأزمات الجيوسياسية. ففي كل مرة يرتفع فيها مستوى التوتر في الشرق الأوسط، ترتفع أسعار النفط والذهب باعتبارهما ملاذين آمنين، بينما تتراجع الأسواق المالية بسبب تزايد حالة عدم اليقين.
لكن ما يجعل الصراع الحالي أكثر تعقيداً هو أنه لا يحدث في فراغ جيوسياسي، بل في لحظة تحول عميقة في النظام الدولي.
فالعالم يشهد منذ سنوات انتقالاً تدريجياً من نظام أحادي القطبية تهيمن عليه الولايات المتحدة إلى نظام أكثر تعددية، حيث تسعى قوى صاعدة مثل الصين والهند وتركيا إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي.
في هذا السياق، أصبح الشرق الأوسط ساحة تنافس استراتيجي بين القوى الكبرى. فالولايات المتحدة ما زالت تعتبر استقرار المنطقة جزءاً أساسياً من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي، خصوصاً فيما يتعلق بحماية طرق التجارة والطاقة العالمية. أما الصين، التي أصبحت أكبر مستورد للنفط في العالم، فهي تعتمد بشكل كبير على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج، وتسعى إلى الحفاظ على استقرار هذه الإمدادات دون الانخراط المباشر في الصراعات العسكرية.
وفي المقابل، تسعى إيران إلى تعزيز موقعها الإقليمي عبر شبكة من الحلفاء في عدة دول في الشرق الأوسط، ما يمنحها نفوذاً جيوسياسياً يتجاوز حدودها الجغرافية. هذا التشابك بين المصالح الاقتصادية والتوازنات الاستراتيجية يجعل أي مواجهة بين إيران وإسرائيل أكثر من مجرد صراع ثنائي، بل جزءاً من معادلة إقليمية ودولية أوسع. ناهيك عن أطماع إسرائيل التوسعية والمعبر عنها بشكل واضح من قبل التيار الأيديولوجي المتشدد المسيطر عليها حاليا والذي يقابله نظيره الإيراني في الجهة الأخرى. حيث أنه من الواضح أن هذين التيارين لا يأبها للأضرار الناتجة عن حربهم الأيديولوجية مهما علت قيمتها وجسامتها ولو كانت على حساب شعوبهما.
غير أن آثار هذه الصراعات لا تتوزع بالتساوي بين الدول. فبينما تمتلك الاقتصادات الكبرى القدرة على امتصاص الصدمات، تجد الدول الهشة نفسها في موقع المتلقي المباشر للأزمات. ويبدو لبنان، للأسف، من بين أكثر الدول عرضة لدفع ثمن صراع لا يملك السيطرة عليه.
منذ عام 2019، يعيش لبنان واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث. فقد انهار النظام المصرفي، وفقدت العملة الوطنية معظم قيمتها، وارتفعت معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة. وفي ظل هذا الواقع الهش، يصبح أي اضطراب اقتصادي عالمي أو إقليمي ضربة إضافية لاقتصاد يعاني أصلاً من الانهيار.
يعتمد لبنان بشكل شبه كامل على استيراد النفط لتأمين الطاقة. ولذلك فإن أي ارتفاع في أسعار النفط العالمية ينعكس مباشرة على أسعار الوقود والكهرباء والنقل. ومع ارتفاع تكاليف الطاقة، ترتفع أيضاً أسعار السلع الأساسية، ما يؤدي إلى تفاقم التضخم وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
لكن التأثيرات الاقتصادية ليست سوى جزء من الصورة. فلبنان يقع أيضاً في موقع جيوسياسي حساس يجعله عرضة للتأثر المباشر بأي تصعيد إقليمي. فقد كان البلد تاريخياً ساحة تتقاطع فيها صراعات القوى الإقليمية والدولية. وفي حال توسع المواجهة بين إيران وإسرائيل أكثر، فإن احتمال انتقال الصراع إلى الأراضي اللبنانية بشكل أوسع مما هو الآن، يبقى احتمالاً قائماً وشبه مؤكدا.
أي حرب جديدة في لبنان لن تكون مجرد مواجهة عسكرية محدودة او محصورة بمواجهة إسرائيل مع ذراع إيران في لبنان المتمثل بحزب الله، بل قد تتحول إلى كارثة اقتصادية واجتماعية شاملة. فاقتصاد يعاني من انهيار مالي عميق لن يكون قادراً على تحمل صدمة إضافية، كما أن البنية التحتية التي تضررت خلال الأزمات السابقة قد تتعرض لدمار واسع وشامل.
لكن المفارقة الجيوسياسية تكمن في أن موقع لبنان الذي يجعله عرضة للصراعات قد يمنحه أيضاً دوراً استراتيجياً في مرحلة ما بعد هذه الأزمات كأحد القوى الوسطى الجديدة التي ممن ان تتشكل مستقبلا.
وهنا أرى بصيص أمل لهذا البلد الموجود منذ بداية التاريخ البشري المعلوم!
لبنان في شرق أوسط متعدد الأقطاب
مع تراجع الهيمنة المطلقة لقوة واحدة في النظام الدولي، يتجه العالم كما ذكرت أعلاه، نحو نظام أكثر تعقيداً وتعددية. وفي مثل هذا النظام، لا تقتصر الأدوار السياسية على القوى الكبرى فقط، بل تبرز أيضاً ما يسمى في العلاقات الدولية بـ القوى الوسطى الذي تحدثت عنه في إحدى مقالاتي السابقة.
للتذكير، تشير نظرية القوى الوسطى إلى الدول التي لا تملك القوة العسكرية أو الاقتصادية للقوى العظمى، لكنها تمتلك القدرة على لعب أدوار دبلوماسية أو اقتصادية مؤثرة من خلال الوساطة، أو بناء التحالفات، أو إدارة التوازنات الإقليمية.
وقد لعبت عدة دول هذا الدور في العقود الأخيرة، مثل كندا وتركيا وقطر والنرويج، حيث تمكنت من التأثير في بعض الملفات الدولية رغم محدودية قوتها العسكرية مقارنة بالقوى الكبرى.
في شرق أوسط يتجه تدريجياً نحو التعددية القطبية، قد تظهر الحاجة إلى دول قادرة على لعب أدوار توازنية بين القوى المتنافسة. وهنا يبرز احتمال — ولو نظرياً في الوقت الراهن — أن يتمكن لبنان في المستقبل من التحول إلى إحدى هذه الدول.
فلبنان يمتلك عدة عناصر قد تسمح له بلعب مثل هذا الدور إذا تمكن من تجاوز أزماته الداخلية.
أول هذه العناصر هو موقعه الجغرافي على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وهو موقع يربط بين العالم العربي وأوروبا. ومع اكتشافات الغاز في شرق المتوسط، قد تصبح هذه المنطقة إحدى الساحات الجديدة للتنافس على الطاقة. وذلك تجسد مؤخرا قبيل توسع الحرب على لبنان عبر رغبة فرنسا في إدخال لبنان في الممر الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا مما ينعكس إيجابيا على الاقتصاد اللبناني.
العنصر الثاني يتمثل في طبيعة المجتمع اللبناني المتعدد ثقافياً ودينياً، وهي سمة قد تمنحه قدرة فريدة على لعب دور جسر بين عوالم سياسية وثقافية مختلفة.
أما العنصر الثالث فهو الانتشار اللبناني العالمي، الذي يشكل شبكة اقتصادية وثقافية تمتد إلى عدة قارات، وتمنح لبنان قدرة على التواصل مع مراكز قوة متعددة في النظام الدولي.
لكن تحقيق هذا الدور يبقى مشروطاً بوجود دولة فاعلة ومؤسسات مستقرة واقتصاد قادر على الصمود.
خياران استراتيجيان أمام لبنان
في ظل التحولات الجارية في الشرق الأوسط، يبدو أن لبنان يقف أمام خيارين استراتيجيين.
الخيار الأول هو الاستمرار في الانجرار إلى صراعات إقليمية تفوق قدراته، وهو مسار قد يؤدي إلى مزيد من الأزمات الاقتصادية والسياسي وحتى خطر اندلاع حرب أهلية ومذهبية بين أبناء الوطن الواحد.
أما الخيار الثاني فهو محاولة إعادة تعريف موقع لبنان في المنطقة، من ساحة صراع إلى مساحة توازن وحوار وحياد كامل، مستفيداً من موقعه الجغرافي وتنوعه الثقافي وشبكاته الدولية.
قد يبدو هذا الخيار طموحاً في ظل الظروف الحالية، لكنه ليس مستحيلاً. فالتاريخ يثبت أن الدول الصغيرة التي تنجح في إدارة موقعها الجغرافي بذكاء تستطيع أحياناً لعب أدوار تفوق حجمها بكثير.
في عالم يتجه نحو تعددية قطبية، قد لا يكون السؤال الحقيقي ما إذا كان لبنان قادراً على التأثر بالصراعات في الشرق الأوسط، بل ما إذا كان قادراً على تحويل موقعه الجغرافي من مصدر هشاشة إلى مصدر قوة.
فالدول التي لا تستطيع منع الحروب من حولها، تستطيع على الأقل أن تبني القدرة على النجاة منها — وربما، في بعض الحالات، على لعب دور في إنهائها.
في الختام، لا يمكنني الا الترحم على أرواح جميع الأبرياء الذي لقوا حتفهم والصلاة والدعاء لخلاص جميع النازحين والمهجرين من جراء حرب فرضت عليهم ولا ناقة لهم فيها ولا جمل.
والسلام...
61 مشاهدة
06 مارس, 2026
110 مشاهدة
05 مارس, 2026
178 مشاهدة
27 فبراير, 2026