ايلي حرفوش - أوتاوا
أنا ايلي حرفوش، ابن منطقة جزّين، ومقيم في أوتاوا منذ نحو ٤١ عامًا . تلقيت دعوة خاصة من سعادة سفير لبنان في كندا بشير طوق لحضور لقاء وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي، في صالة مار إلياس اوتاوا وله مني كل الشكر . لبّيت الدعوة كما ألبّي الدعوات إلى المناسبات الوطنية اللبنانية. فأنا لا أنتمي إلى حزب، وذهبت إلى اللقاء على أساس أن من سيتحدث أمامنا هو وزير خارجية كل لبنان .
لكن ما شهدته في القاعة جعلني أسأل نفسي بعد انتهاء اللقاء أيّ لبنان أراد الوزير أن يقدّمه أمام الدبلوماسيين العرب والأجانب وأبناء الجالية؟
تعثّر الوزير أكثر من مرة في قراءة كلمته المكتوبة. كان المشهد محرجًا، لكنني كنت لأتجاوز التعثّر لو أنّ ما قرأه يستحق أن نتوقف عنده لسبب أفضل . فقد اختار معاليه أن يتحدث عن مساحة لبنان، وقال إنها أصبحت ١٠٬٥٠٠ كيلومتر مربّع، عازيًا الزيادة، على سبيل المزاح، إلى طمر النفايات في البحر . ولعلّ أكثر ما أحرجني في تلك اللحظة هو التصفيق الحار الذي أعقب كلامه . سمعت التصفيق وسألت نفسي عمّا استحق كل هذه الحماسة . هل كان المطلوب منّا أن نفتخر بأننا وسّعنا مساحة الوطن بالنفايات؟
وفي القاعة، لفتني أيضًا انتشار شبّان يحملون أجهزة اتصال. رأيت الشرطة الفيدرالية الكندية حاضرة في الداخل والخارج، وكان وجودها كافيًا لطمأنة المدعوّين . أما ذلك الاستعراض فذكّرني بمشاهد من أيام الحرب في لبنان، كنت أظنّ أننا تجاوزناها . جئنا إلى لقاء في أوتاوا بدعوة من سفارة بلدنا، ووجدت نفسي أستعيد صورًا ظننت أنني تركتها وراءي منذ زمن بعيد .
ثم تابع الوزير إنه أعاد وزارة الخارجية إلى لبنان . وصفّق له البعض مجددًا . وأنا، ابن جزّين، كنت أفكّر في الجنوب وفي أهل البلدات الذين يعيشون تحت وطأة الاعتداءات والاحتلال . وسألت نفسي عمّا ترتّب على مطالبة رجي والمهلة التي أعطاها إلى السفير الإيراني بالمغادرة، بعدما انقضت المهلة وبقي السفير في لبنان . إذا كان معاليه يريد أن يُحاسَب على استعادة السيادة، فليقل لنا ماذا حقّق في هذه القضية، وماذا فعلت وزارته من أجل الجنوب. اللبنانيون الذين يخشون على بلدهم من حرب جديدة يستحقون جوابًا أوضح من جملة تستدرّ التصفيق في قاعة بأوتاوا .
وعندما سمعت عبارة «أعدنا الخارجية إلى لبنان تذكّرتُ في عهد الوزير جبران باسيل. تذكّرت مؤتمرات الطاقة الاغترابية التي جمعت لبنانيين من مختلف أنحاء العالم . وتذكّرت يوم استطعت، بصفتي مغتربًا من جزّين، أن أمارس حقي في الاقتراع من بلد إقامتي. وتذكّرت العمل على قانون استعادة الجنسية الذي أعطى أبناء عائلات لبنانية مضى على هجرتها أجيال فرصة لاستعادة جنسيتها . وتذكّرت لقاءاته مع المغتربين وتشجيعهم على الاستثمار في لبنان، وتحرّكه الدبلوماسي خلال أزمة الرئيس سعد الحريري في السعودية. يحقّ لكلٍّ منا أن يتخذ الموقف السياسي الذي يراه، وأنا أذكر هنا ما لمسته شخصيًا وما بقي في ذاكرتي من تلك المرحلة.
ومن الإنصاف أن أسجّل أيضًا ما رأيته من عدد من الحاضرين من العونيين . اعترضوا على ما سمعوه، ثم غادروا بهدوء واحترام . كان بإمكانهم أن يحوّلوا اعتراضهم إلى سجال في القاعة، لكنهم اختاروا المغادرة . وفي تلك الأمسية، كان خروجهم الهادئ أبلغ من كثير من التصفيق .
أجدّد شكري للسفير بشير طوق على دعوته. ولأنني لبّيتها على أساس أنها مناسبة وطنية، خرجت منها أشدّ انزعاجًا من الطابع الحزبي الذي طغى عليها . بعد نحو ٤١ عامًا في كندا، ما زلت ألبّي دعوة سفارة بلدي بالاعتزاز نفسه. ولهذا بالذات آلمني أن أسمع وزير خارجية لبنان يتحدّث عن أرض وطنه بهذه الخفّة أمام ضيوفه، وأن أجد من يصفّق له بحرارة . وباللبناني، كما قلتها حين خرجت يا عيب الشوم جرصة وبهدلة.
18 مشاهدة
08 نوفمبر, 2026
289 مشاهدة
03 نوفمبر, 2026
274 مشاهدة
21 أكتوبر, 2026